أطلقت وزيرة خارجية اليمن تحذيراً صريحاً من أن استمرار التصعيد الحوثي لم يعد شأناً يمنياً داخلياً، بل بات تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وحركة الملاحة الدولية في واحد من أخطر المعابر البحرية في العالم. وجاء التحذير ليعيد ملف البحر الأحمر إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعد سنوات أثبتت أن أي توتر قبالة السواحل اليمنية لا يبقى محصوراً في الجغرافيا المحلية، بل يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الشحن والتأمين ومواعيد وصول البضائع إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. وبذلك يتحول تصريح الوزيرة من موقف دبلوماسي معتاد إلى تنبيه موجّه للمجتمع الدولي بأن تأجيل معالجة التصعيد قد يكون أكثر تكلفة من مواجهته.
لماذا الآن تحديداً؟ قراءة في توقيت التحذير ودلالاته
يتقاطع هذا التحذير مع قاعدة شبه ثابتة في الملف اليمني: كلما اقترب أي مسار تفاوضي أو تحرّك دبلوماسي من لحظة حساسة، تصاعدت لغة التهديد من الأطراف الممسكة بالأرض وارتفع سقف مطالبها. ومن هنا، فإن إخراج وزيرة خارجية الحكومة المعترف بها دولياً هذا الملف إلى الواجهة يحمل رسائل مزدوجة؛ فهو من جهة تذكير دائم بأن سلطة الدولة اليمنية هي الطرف الشرعي القادر على الحديث عن تأمين المياه الإقليمية، ومن جهة أخرى محاولة للحفاظ على موقع الملف اليمني على أجندة مجلس الأمن والمنظمات البحرية الدولية في وقت تتنافس فيه أزمات المنطقة على أولويات القرار الدولي.
كما أن الحديث عن «الملاحة الدولية» له وقع مختلف عن الحديث عن أزمة إنسانية أو سياسية. فالمياه الدولية أمام اليمن ليست ورقة يمنية صرف، بل ممر تستخدمه مئات السفن التجارية وناقلات الطاقة أسبوعياً، وأي خلل فيه ينعكس فوراً على أسعار التأمين وأجور الشحن، ثم على أسعار السلع في أوروبا وأفريقيا وآسيا. ولهذا يُتوقع أن تجد هذه التحذيرات صدى أسرع لدى الشركات والدول المستوردة من صدى البيانات السياسية المجردة.
من صنعاء إلى باب المندب: كيف صار البحر الأحمر ساحة مواجهة مفتوحة
لفهم عمق التحذير لا بد من استعادة مسار التحولات. منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في خريف عام 2014، ثم تمددهم على الشريط الساحلي الغربي الذي يضم موانئ حيوية مثل الحديدة والصليف ورأس عيسى، خرج الملف اليمني تدريجياً من إطار الصراع الداخلي إلى إطار النفوذ الإقليمي على أهم ممر بحري في المنطقة. وبعد انطلاق العمليات العسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية في 2015، أصبحت المناطق الساحلية ساحة مواجهة متكررة بين هدن متقطعة وجولات تصعيد متجددة.
التحول النوعي الأوضح حدث في نهاية عام 2023، حين انتقلت المواجهة فعلياً إلى المياه الدولية وباتت السفن التجارية وناقلات النفط عرضة للاستهداف أو التهديد، ما دفع كبرى شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدل عبور البحر الأحمر وقناة السويس. وكان لهذا التحول أثر مزدوج: تكاليف شحن وتأمين أعلى، وخسائر اقتصادية ضخمة طالت عائدات قناة السويس وموانئ المنطقة، إضافة إلى تحريك قوى كبرى نحو تعزيز حضورها العسكري لحماية الملاحة. وهو السياق الذي يمنح تحذير وزيرة الخارجية اليمنية معناه الفعلي: الحديث هنا لا عن خطر نظري، بل عن تجربة أزمات متكررة أثبتت هشاشة الممر في وجه أي تصعيد.
ما الذي يعنيه الحديث عن أمن الملاحة والأمن الإقليمي معاً؟
عندما تُربط في تصريح واحد ثلاث عبارات: التصعيد الحوثي، الأمن الإقليمي، والملاحة الدولية، فإن الرسالة تُختصر في أن الأزمة اليمنية لم تعد ملفاً بحاجة إلى حل سياسي فقط، بل إلى ترتيبات أمنية ملموسة في المياه. ويمكن تفكيك دلالات هذا الربط في النقاط التالية:
- البعد البحري: مضيق باب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتُقدَّر التجارة العابرة له بنحو 12% من حركة التجارة العالمية، وهو ما يجعل أي استهداف فيه مسألة تخص الاقتصاد العالمي لا اليمن وحده.
- البعد الإقليمي: دول الجوار المباشر، وعلى رأسها السعودية ومصر ودول القرن الأفريقي، هي الأقرب جغرافياً إلى أي تصعيد، والأكثر تأثراً بتعطيل حركة الموانئ أو توسيع نطاق العمليات.
- البعد اليمني الداخلي: كل يوم تصعيد إضافي يعني تراجعاً في قدرة الدولة على ممارسة سيادتها على سواحلها وموانئها، وتقويضاً لأي مسار سلام يُبنى على استعادة مؤسسات الدولة.
- البعد المعيشي: اليمن يستورد الغالبية العظمى من احتياجاته الغذائية والدوائية عبر البحر، لذلك ينعكس أي اضطراب في الملاحة مباشرة على الأسعار وتوفر السلع في الأسواق المحلية.
- البعد الدولي: التصعيد يفرض على القوى الكبرى الاختيار بين تكريس حضور عسكري دائم في البحر الأحمر أو الدفع نحو تسوية تُغلق الملف من جذوره، وكلاهما خيار له كلفة سياسية ومالية.
والمحصلة أن التحذير ليس مجرد موقف دبلوماسي روتيني، بل محاولة لتثبيت فكرة أن معالجة التصعيد في البحر الأحمر تبدأ من معالجة وضع القوة المسلحة التي تتحكم بالساحل، لا من ترتيبات بحرية مؤقتة.
من يربح ومن يخسر؟ حسابات الأطراف في معادلة التصعيد
في هذا النوع من الملفات لا يوجد طرف محايد. الحوثيون يستخدمون ورقة البحر كأداة ضغط تفاوضية ووسيلة لكسب شرعية أمر واقع أمام الداخل، بينما تجد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً نفسها في موقع من يحمّل الآخر مسؤولية كل انعكاس اقتصادي وأمني، من دون أن تملك أدوات منع فعلية على الأرض. أما دول الخليج، وبخاصة السعودية، فتعمل منذ سنوات على تثبيت التهدئة لأن أي تصعيد بحري يفاقم كلفة أمنها ومشاريعها التنموية. وإيران، بحكم نفوذها في الملف، تتعامل مع البحر الأحمر كورقة في مفاوضات أوسع لا كملف منفصل. فيما تبقى شركات الشحن وشركات التأمين هي الخاسر الأول عملياً، إذ تعيد كل موجة توتر ترتيب معادلات المخاطر والأسعار في غضون أيام.
في المقابل، ثمة رابح واحد دائم في هذا المشهد: التجاذب السياسي الذي يستفيد من إبقاء الملف مفتوحاً بلا تسوية، لأنه يمنح كل طرف أوراقاً جديدة للتفاوض من دون تقديم تنازلات.
وماذا بعد؟ السيناريوهات التي تنتظر اليمن والمنطقة
أمام هذا التحذير ثلاثة مسارات محتملة. الأول هو استمرار نمط التصعيد المحدود مع ردود فعل دولية مؤقتة، وهو سيناريو يُبقي الكلفة موزعة ومرتفعة في الوقت نفسه. والثاني تصعيد أوسع يطال ممرات ومرافئ جديدة ويجرّ قوى إقليمية ودولية إلى مواجهة مباشرة، وهو الاحتمال الأعلى كلفة على الاقتصاد الإقليمي وعلى المدنيين اليمنيين على حد سواء. والثالث مسار تهدئة مدفوع بتفاهمات إقليمية تضمن حرية الملاحة مقابل مكاسب سياسية، وهو الأصعب تطبيقاً لكنه الأقل كلفة على الجميع.
وبالنسبة للقارئ اليمني، فإن أثر هذه التطورات لا ينتظر التقارير الدولية: اضطراب الملاحة يعني ارتفاع كلفة الاستيراد، وارتفاع كلفة الاستيراد يعني أسعاراً أعلى للغذاء والدواء والوقود، أي ضغطاً مباشراً على معيشة الأسر التي لم تتعافَ بعد من سنوات الحرب. أما المستهلك الأوروبي والآسيوي فيدفع بدوره فاتورة هذه الأزمة عبر تأخر الشحنات وارتفاع أسعار السلع، ما يفسر لماذا تتحول التحذيرات اليمنية بسرعة إلى ملف مطروح في العواصم البعيدة.
أسئلة شائعة
- ما الذي حذّرت منه وزيرة خارجية اليمن؟ من خطورة التصعيد الحوثي على الأمن الإقليمي وعلى حركة الملاحة الدولية.
- لماذا تُعدّ الملاحة في البحر الأحمر حساسة إلى هذا الحد؟ لأن مضيق باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، ويمر عبره جزء كبير من تجارة آسيا وأوروبا.
- كيف يمسّ التصعيد المواطن اليمني مباشرة؟ عبر رفع كلفة الاستيراد والشحن، ما ينعكس على أسعار الغذاء والدواء والوقود وتوفرها في الأسواق.
- هل هناك مسار لوقف هذا التصعيد؟ الحديث عن مسارات تهدئة مرتبط بتفاهمات إقليمية وصفقة شاملة تشمل الملف اليمني وحرية الملاحة، لكنه لا يزال رهين حسابات الأطراف.