أعلنت القوات الحكومية اليمنية تنفيذ سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لجماعة الحوثي في محافظة تعز جنوب غربي البلاد، في أحدث حلقة من حلقات الاشتباك التي تتبّعها الخريطة التفاعلية لتطورات جبهات القتال. ولم يقف الإعلان عند حدود الضربات الجوية، بل أكّد في الوقت نفسه صدّ تحركات للمجموعة داخل وادي حذران ومنطقة الصياحي، والتصدي لمحاولات تقدم على محور الضباب. والخلاصة الميدانية لهذه الوقائع أن بؤرة المواجهة تتمركز في الأطراف الغربية والجنوبية لمحيط مدينة تعز، لا في عمقها الحضري، وهو نمط صار سمة ثابتة لهذه الجبهة منذ سنوات.
تعز.. لماذا تعود إلى قلب المشهد العسكري مجدداً؟
تعز ليست محافظة هامشية في الجغرافيا اليمنية؛ فهي ثالث كبرى المدن سكاناً، وتتوسط الطريق الجبلي الذي يربط العاصمة صنعاء بالعاصمة المؤقتة عدن ومنها إلى الموانئ الجنوبية. هذا الموقع تحديداً هو ما جعلها منذ اندلاع الحرب في 2015 ساحة مواجهة مزدوجة: قتال على المحاور، وحصار على الطرق. فالقوات الحكومية والمقاومة المحلية تسيطر على مركز المدينة وأجزاء واسعة من الريف الغربي والجنوبي، بينما تتحكم جماعة الحوثي في المداخل الشمالية والشرقية وعدد من المنافذ الجبلية، ما جعل التنقل بين المدينة ومحيطها رهناً بخرائط القتال اليومية.
وللحرب على هذه الجبهة سابقة مهمة تفسّر حساسيتها: فحين أُعلنت الهدنة الأممية في أبريل 2022، كان من بنودها الرئيسية فتح الطرق المؤدية إلى تعز وإنهاء معاناتها، غير أن جولات التفاوض حول هذه الطرق تعثّرت، وظلّ الملف معلقاً حتى بعد انقضاء الهدنة دون تجديد. ومنذ ذلك الحين بقيت الجبهة في حالة اشتباك منخفض الحدة يتصاعد دورياً، وهو السياق الذي تندرج فيه التطورات الأخيرة.
حذران والصياحي والضباب: ما الذي تكشفه هذه المواقع على الخريطة؟
ثلاثة أسماء تكررت في البيان الحكومي، ولكل منها دلالة جغرافية وعسكرية مختلفة:
- وادي حذران: منطقة في الريف الغربي لمحافظة تعز، وتُعد من المسارات التي تتيح التسلل أو التحرك بين المرتفعات الجبلية والمناطق المنخفضة، وهي بيئة يصعب فيها الرصد الجوي ومحدودية الرؤية الميدانية.
- منطقة الصياحي: تقع في نطاق الأطراف الجنوبية للمحافظة، حيث تتحرك المجموعات على شكل وحدات صغيرة بحثاً عن ثغرات في خطوط التماس بدلاً من المواجهة المباشرة.
- محور الضباب: منطقة المرتفعات غربي مدينة تعز، وأهميتها أنها تشرف على مسالك تربط المدينة بالأرياف الغربية والطرق المؤدية نحو الساحل، ومن يمسك بها يضغط على حركة الإمداد لا على الأرض فقط.
- الغارات الجوية: استهداف المواقع من الجو يعني أن الطرف الحكومي اعتمد على قدرة نارية بعيدة المدى بدلاً من الدفع بوحدات برية نحو تلك النقاط، وهو خيار يقلّل الخسائر المباشرة لكنه لا يحسم السيطرة على الأرض.
التحليل: قراءة في دلالات هذه الجولة
أول ما يلفت النظر في صياغة الإعلان هو استخدام لغة "الصدّ"، أي أن المبادرة في هذه الجولة كانت ميدانياً بيد جماعة الحوثي، التي دفعت بتحركات في ثلاث نقاط متفرقة. هذا النمط من التحرك المتزامن على أكثر من محور غالباً ما يهدف إلى اختبار كثافة الخطوط الدفاعية وتحديد الثغرات، لا إلى تحقيق اختراق واسع من المحاولة الأولى. في المقابل، جاء الرد الجوي ليكشف أن الطرف الحكومي يمتلك قدرة استطلاع وردع تُغني عن المواجهة المباشرة، لكنها أيضاً لا تُنشئ تقدماً برياً.
المؤشر الثاني يتعلق بالتوقيت. الجبهات حول تعز ظلّت لسنوات في حالة جمود نسبي مقارنة بجبهات أخرى أكثر حركة، وعودة النشاط إليها على ثلاث نقاط دفعة واحدة تعني غالباً أن ثمة حسابات مرتبطة بموازين القوى الإقليمية والملفات الإنسانية المرتبطة بها، لا مجرد اشتباك عابر على خط تماس.
ماذا يعني ذلك للقارئ اليمني؟
أثر هذه التطورات لا ينحصر في خطوط التماس. فحركة الاشتباك في الريف الغربي والجنوبي تعني إغلاقاً إضافياً للطرق الفرعية التي يعتمد عليها الأهالي كبديل عن الطريق الرئيسية الخاضعة لقيود، وارتفاعاً محتملاً في أسعار الوقود والغذاء عند إعادة تشكيل خطوط الإمداد، ونزوحاً داخلياً محدوداً من المناطق القريبة من المحاور الثلاثة. كما أن أي تصعيد في هذه الجبهة يُنعكس مباشرة على عمل المنظمات الإنسانية ووصول المساعدات إلى الأحياء الأكثر تضرراً، فضلاً عن تعقيد أي مسار تفاوضي مستقبلي بشأن فتح الطرق.
أسئلة شائعة
- من أعلن تنفيذ الغارات الجوية في تعز؟ القوات الحكومية اليمنية، التي أكدت استهداف مواقع لجماعة الحوثي في المحافظة جنوب غربي البلاد.
- أين وقعت الاشتباكات والتحركات بالضبط؟ في وادي حذران ومنطقة الصياحي، وكذلك على محور الضباب في محيط مدينة تعز، وفق الإعلان الحكومي.
- ما أهمية محور الضباب؟ لأنه منطقة مرتفعات في الأطراف الغربية لمدينة تعز تشرف على مسالك الإمداد بين المدينة وأريافها الغربية، ما يمنحه قيمة عسكرية تتجاوز حدود الأرض.
- هل يعني ذلك تغيراً في السيطرة على المدينة؟ لا ترد في المعطيات المتاحة إشارة إلى تغيّر في خريطة السيطرة على مركز تعز، بل عمليات صدّ وتحرك متبادلة على الأطراف.