ملف المواجهة مع إيران عاد إلى قلب حسابات الانتخابات في واشنطن وتل أبيب، بعدما أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، نقلًا عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحث، خلال الأسبوع الماضي، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، احتمال شنّ عملية عسكرية كبيرة جديدة ضد طهران تسبق مواعيد الاقتراع في البلدين. والمعلومة، إن صحّت، لا تعني أن قرار الحرب قد اتُّخذ، لكنها تكشف أن الخيار العسكري لم يعد خارج التداول، بل صار مربوطًا بساعة انتخابية تدقّ في القدس وواشنطن في الوقت ذاته، وهو ما يمنح الجولة المقبلة من التوتر طابعًا مختلفًا عن كل الجولات السابقة.
أخبار ذات صلة قد تهمك
كيف وصلنا إلى هنا؟ خلفية المواجهة من الاتفاق النووي إلى «الأسد المرتفع»
لفهم دلالة هذا التسريب، لا بد من العودة إلى نقطة البداية: الاتفاق النووي لعام 2015 الذي فرض قيودًا زمنية على تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات، ثم انسحاب واشنطن منه عام 2018 وإعادة فرض سياسة «الضغط الأقصى»، فردّت طهران برفع تدريجي لمنسوب التخصيب وتقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه الحلقة المفرغة التي دامت سنوات أنتجت وضعًا راهنًا تصفه تقارير الوكالة الدولية: مخزونات مخصبة عند منسوب مرتفع، وقدرة على التحقق تراجعت، ومفاوضات متعثرة لا يملك أي من أطرافها رفاهية الانسحاب منها بشكل كامل.
وفي هذا المناخ اصطدمت الأطراف بجولة مواجهة مباشرة غير مسبوقة، ضربت خلالها إسرائيل مواقع نووية وعسكرية إيرانية في عملية عسكرية واسعة، قبل أن تلتحق واشنطن بمشاركة مباشرة استهدفت منشآت تخصيب محصّنة، لتتوقف الجولة بعدها بوقف لإطلاق النار. وبعد هذا الاشتباك، لم تعد الأسئلة تدور حول «إذا» وقع الضرب، بل حول «متى» يتكرر، وما إذا كانت جولة ثانية ستكون أكثر عمقًا وأبعد نطاقًا. وإلى جانب ذلك، ظلت ساحات المواجهة غير المباشرة — لبنان والعراق واليمن — مشتعلة بمستويات متفاوتة، ما يجعل أي قرار كبير في طهران أو تل أبيب قادرًا على تحريك أكثر من جبهة في وقت واحد.
ما الذي قيل وما لم يُقَل: حدود المعلومة المتاحة
بحسب ما نقلته «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، فإن البحث بين نتنياهو وترامب تناول إمكانية عملية عسكرية كبيرة جديدة ضد إيران قبل الانتخابات. وطبيعة هذا النوع من التقارير أنه يصوّر مناقشة على مستوى القمة، لا قرارًا نهائيًا موقّعًا؛ فالمسؤولون يتحدثون عن «خيارات على الطاولة»، وهي صيغة تعني عمليًا أن الدراسة العملياتية قائمة، وأن المستوى السياسي يريد معرفة الثمن قبل الدفع.
- الحدث: بحث بين نتنياهو وترامب خلال الأسبوع الماضي حول عملية عسكرية كبيرة جديدة ضد إيران.
- التوقيت: يُربط بسقف زمني هو الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة.
- المصدر: مسؤولون أميركيون وإسرائيليون عبر موقع «أكسيوس»، وهو ما يرجّح كونه تسريبًا مقصودًا لا انفجارًا معلوماتيًا عشوائيًا.
- ما لم يُحدد: أهداف العملية، وحجمها، وتوقيتها الدقيق، وشكل مشاركة واشنطن فيها — قصف؟ دعم لوجستي؟ دفاع جوي مشترك؟
- ما لم يُعلن: لا بيان رسمي من البيت الأبيض ولا من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي يعلّق على مضمون التسريب.
واللافت أن قيمة التسريب ليست في كشفه عن خطة جاهزة، بل في كشفه عن مرحلة من التفكير السياسي؛ فحين يُنقل اسم القمة صريحًا، فإن الرسالة الموجّهة إلى طهران هي أن الضغط العسكري لا يزال أداة حيّة، وإلى الجمهور الداخلي في البلدين أن القيادة تعمل على أعلى المستويات. هذا الاستخدام المزدوج للمعلومة — رسالة ردع خارجية ورسالة انتخابية داخلية — هو ما يجعل التسريب نفسه جزءًا من الحدث لا مجرد تعليق عليه.
لماذا الآن تحديدًا؟ قراءة في دوافع الطرفين وساعة الانتخابات
التوقيت هو العرق الذهبي في هذا الخبر. فالتقارير التي تربط قرارًا أمنيًا بموعد اقتراع لا تصف استراتيجية عسكرية بقدر ما تصف حسابات سياسية: السلطة التنفيذية في إسرائيل تجد نفسها قبيل استحقاق انتخابي أمام خيارات مصيرية وصلاحيات متغيّرة، ورئيس وزراء يواجه ملفات قضائية وضغوطًا داخلية، وانتخابات قد تعيد توزيع السلطة كاملة. وفي مثل هذه اللحظات، يعمل الوعد بالأمن كأثقل عملة انتخابية، لكنه أيضًا أخطرها، لأن أي ضربة لا تحقق أهدافها تتحول فورًا إلى سلاح انتخابي ضد صاحب القرار.
أما في واشنطن، فالحساب مختلف: إدارة ترامب تربط الأمن بالاقتصاد، وأي مواجهة مفتوحة مع إيران تعني ارتدادات فورية على أسعار النفط وسوق الطاقة قبل أن تصل أي قذيفة إلى هدفها. ولهذا فإن الفرضية الأكثر ترجيحًا — إن نُفّذت عملية — هي عملية محدودة مصممة على مقاس «صورة القوة» لا على مقاس الحرب الشاملة: ضربات دقيقة على منشآت أو رموز بعينها، وإعلان إنجاز سريع، وتجنّب استدراج طويل يستهلك الدفاعات الجوية ويعرّض القواعد الأميركية في المنطقة.
من يربح ومن يخسر؟ الأطراف الإقليمية التي ستدفع الفاتورة أولًا
في مثل هذا الملف، لا تتحدد الكلفة بعدد الصواريخ بقدر ما تتحدد بمن يعيش في مرمى الرد. دول الخليج، التي راكمت سنوات من التهدئة مع طهران، تضغط تقليديًا ضد أي تصعيد يهدد الملاحة في مضيق هرمز ومصافي النفط والبنى الاقتصادية غير النفطية التي أنفقت مليارات لبنائها. وحتى لو بقيت هذه الدول خارج المواجهة، فإن أسواقها ستكون أول من يدفع ثمنها من خلال ارتفاع أقساط التأمين على الشحن وتذبذب أسعار الطاقة، وهو ثمن تدركه الرياض وأبوظبي والدوحة جيدًا.
وإلى جانبها، تقف أطراف مسلحة غير رسمية قادرة على تحويل المواجهة الثنائية إلى حرب متعددة الجبهات: حزب الله في لبنان الذي لا يزال يمر بمرحلة إعادة ترتيب داخلي، والفصائل في العراق القادرة على استهداف القواعد والخطوط اللوجستية، وأنصار الله في اليمن الذين يمتلكون قدرة مثبتة على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر. وهذا يعني أن أي جولة جديدة لن تُقاس بما يحدث في سماء إيران فقط، بل بما يحدث في أكثر من بحر ومضيق وممر مائي يمثل شريان التجارة العالمية.
وماذا بعد؟ السيناريوهات الأربعة التي ترسم المرحلة المقبلة
السيناريو الأول هو عملية محدودة ومضبوطة، هدفها إعادة الردع وإحداث تأثير انتخابي من دون فتح حرب شاملة. والثاني حملة موسّعة تستهدف منظومة نووية وبرنامج صواريخ، وهو أخطر السيناريوهات وأكثرها استدعاءً للرد المتعدد الجبهات. والثالث هو أن يبقى التلويح بالخيار العسكري أداة ضغط سياسي فقط دون تنفيذ، أي ما يشبه حرب الأعصاب الممتدة. أما الرابع، وهو الأكثر إهمالًا في التقديرات، فهو أن تبادر طهران نفسها بخطوة استباقية استنادًا إلى قراءتها أن الضربة قادمة.
- المؤشر الأول للمراقبة: أي تغيير في منسوب التحذيرات الملاحية وحركة الناقلات في الخليج والبحر الأحمر.
- المؤشر الثاني: تصريحات الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مستوى التحقق والتعاون الإيراني.
- المؤشر الثالث: حشد نشرات الدفاع الجوي والقواعد الأميركية في المنطقة، وهو ما يسبق عادة أي عملية بأسابيع.
- المؤشر الرابع: النبرة العلنية للقيادة الإيرانية، فارتفاع لغة التهديد الجاهز قد يعني أن خيارات الرد جُهّزت فعليًا.
والأرجح أن يمضي المشهد على وتيرة «الغموض المحسوب»: تلميحات وإشارات وتحذيرات، مع إبقاء الخيار العسكري معلّقًا فوق الطاولة إلى ما بعد مواعيد الاقتراع، لأن الردع الذي لا يُنفّذ قد يكون أنفع انتخابيًا من ضربة تُنفّذ ويفلت أثرها من يد صاحبها.
أسئلة شائعة
- ما حقيقة مناقشة ضرب إيران قبل الانتخابات؟ — نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أن نتنياهو ناقش مع ترامب احتمال عملية عسكرية كبيرة جديدة ضد إيران قبل الانتخابات، لكن ذلك يُعد بحثًا في خيارات ولم يُعلن عنه قرار رسمي.
- متى تُجرى الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة؟ — لم يحدد التقرير تواريخ دقيقة، واكتفى بربط أي عملية محتملة بالنافذة الزمنية السابقة للاستحقاق الانتخابي في البلدين، وهي الفترة التي تحدّد سقف أي قرار عسكري.
- هل صدر تعليق رسمي من واشنطن أو تل أبيب؟ — لا يتضمن الخبر أي إعلان رسمي من البيت الأبيض أو مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، والمعلومات مصدرها مسؤولون نقلوا كلامهم لموقع إخباري.
- ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة؟ — يعني أن أي جولة عسكرية جديدة ستنعكس مباشرة على الملاحة في الخليج والبحر الأحمر وعلى أسعار الطاقة والتأمين البحري، ما يمنح دول الخليج والأطراف الإقليمية دورًا ضاغطًا في تحديد شكل المرحلة المقبلة.