في الأردن، حيث يُصنَّف سرطان الثدي الأكثر شيوعاً بين النساء، لا تنتهي الحكاية عند آخر جلسة علاج كيميائي أو إشعاعي أو آخر عملية جراحية. فخلف نحو 550 حالة إصابة تُسجَّل سنوياً بين الأردنيات، وهي معلومات قدّمها مركز الحسين للسرطان، توجد مرحلة ثانية يجري الحديث عنها بصوت أخفض: مرحلة ما بعد العلاج. ثلاث نساء خُضنها — رشا صوالحة، ورولاند البواب، وميسون طه — يروين تفاصيل رحلتهن مع القلق من عودة المرض، ومع جسد تغيّر شكله، ومع محيط أسري يحتاج وقتاً ليتعلّم كيف يتعامل مع «الناجية» لا مع «المريضة».
لماذا يبدأ القلق فعلياً بعد آخر جلسة؟ الوجه الآخر لسرطان الثدي
يبدأ سرطان الثدي من خلايا غير طبيعية تنمو في نسيج الثدي، ويُكتشف غالباً عبر التصوير الشعاعي أو عند ملاحظة كتلة، ثم يُحدَّد علاجه بمزيج من الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي والهرموني والمناعي بحسب نوع الورم ومرحلته. لكن ما يعرفه المتخصصون جيداً أن خروج المريضة من المستشفى لا يعني إغلاق الملف الطبي، بل انتقاله من مرحلة «العلاج الحاد» إلى مرحلة المتابعة طويلة الأمد، وهي ما يُعرف في الأدبيات الطبية برعاية ما بعد السرطان، حيث يتوزّع الاهتمام بين مراقبة أي عودة محتملة للمرض، والتعامل مع الآثار الجانبية التي قد تستمر سنوات، ودعم الصحة النفسية والجسدية للمتعافية.
وتبقى مسألة الخوف من انتكاس المرض العنصر الأكثر حضوراً في هذه المرحلة، إذ تتصاعد حدّته عادة مع اقتراب مواعيد الفحص وانتظار النتائج، وهو ما تصفه شهادات الناجيات بأنه «امتحان دوري» للأعصاب لا يظهر في أي تقرير مخبري. وتوضح الجمعية الأمريكية للسرطان أن المتابعة بعد العلاج لا تقتصر على البحث عن عودة المرض، بل تشمل أيضاً رصد الآثار الجانبية بعيدة المدى ومتابعة الحالة الجسدية والنفسية، مع التأكيد على أن الفحوص التصويرية والتحاليل الموسعة ليست مطلوبة دورياً لكل الناجيات، بل تُحدَّد بحسب الحالة والأعراض والتاريخ العلاجي، ويُجرى تصوير الثدي الشعاعي عندما يكون ذلك ضرورياً طبياً.
ثلاث رحلات.. من استئصال الثدي إلى إعادة ترتيب الأولويات
بالنسبة إلى رشا صوالحة، لم تكن الإصابة فترة علاج انتهت بالتعافي، بل منعطفاً أعاد ترتيب حياتها بالكامل. ففي عام 2023 شُخّصت بالمرض في مرحلته الثالثة بعد وصوله إلى العقد اللمفاوية، وخضعت لجلسات كيميائية ومناعية وإشعاعية، إلى جانب عمليات شملت استئصال الثدي المصاب، واستئصال الثدي الآخر بشكل وقائي، وكذلك المبيضين، وذلك بسبب استعداد وراثي يرفع خطر الإصابة. وتُربط هذه الحالات عادة بجينات موروثة مثل BRCA1 وBRCA2، وهي من العوامل التي تدفع بعض الطبيبات إلى خيارات جراحية وقائية لتقليل احتمال تكرار المرض.
ورغم قسوة العلاج، حرصت صوالحة على البقاء في عملها، وكانت تُرتّب مواعيد الجرعات بحيث تحصل على أيام راحة قليلة قبل العودة إلى وظيفتها، لأن ذلك — كما تقول — منحها إحساساً بأنها ما زالت قادرة على إدارة حياتها رغم المرض. وبعد نحو عام من انتهاء العلاج، غادرت وظيفتها بسبب إعادة هيكلة في المؤسسة التي كانت تعمل بها، وهو تغيير تنظر إليه اليوم كفرصة منحتها وقتاً أكبر لصحتها، إذ باتت تمارس الرياضة والسباحة والمشي وتلتقي صديقاتها أكثر. وتصف تجربتها بأنها غيّرت حياتها «180 درجة»، مع اهتمام أكبر بالصحة والعلاقات الاجتماعية والحياة الروحية، لكنها تبقى صريحة في أن احتمال عودة المرض حاضر، وأن كثيراً من الناجيات يعِشن هذا القلق نفسه، وتتعامل هي معه بالالتزام بالمتابعة والانتباه لأي تغيّر غير معتاد بدل ترك الخوف يقود تفاصيل يومها.
وتعرف رولاند البواب هذه المشاعر من موقع مختلف، إذ عاشت التجربة مرتين يفصل بينهما نحو خمس سنوات. كانت في الرابعة والثلاثين عندما شُخّصت أول مرة قبل نحو 18 عاماً، وهي حينها أم لأربعة أطفال، أكبرهم في الثانية عشرة وأصغرهم في الثالثة والنصف. وصل المرض إلى المرحلة الثالثة، فخضعت لعملية جراحية تبعتها جلسات كيميائية وإشعاعية وعلاج هرموني. وبعد خمس سنوات كشفت المتابعة الدورية إصابة ثانية في مرحلة مبكرة، تعاملت معها بجراحة وعلاج إشعاعي وهرموني دون حاجة هذه المرة إلى الكيميائي. ورغم مرور سنوات طويلة، تؤكد أن الخوف من العودة لا يختفي تماماً ويتجدّد مع كل فحص، وتقول ببساطة: «بالآخر إحنا بشر»، موضحة أنها تحاول ألا يتحول هذا الشعور إلى محور حياتها، بل تتعامل معه بالانضباط في المواعيد الطبية. وقد كانت تراجع طبيبها كل ثلاثة أشهر بعد انتهاء العلاج، ثم تباعدت الزيارات لتصبح كل ستة أشهر.
ولم يتوقف أثر التجربة عند حدود حياتها الشخصية، إذ انضمت البواب إلى مجموعة «سند» المعنية بالدعم الاجتماعي والنفسي لمرضى سرطان الثدي، وتشارك مع ناجيات أخريات في زيارة المريضات أثناء تلقّيهن العلاج الكيميائي لتقديم سند معنوي ومشاركة تجارب شخصية. والرسالة التي تحرص على إيصالها إليهن تحمل خلاصة رحلتها: «أنتم مش لحالكم، وإحنا مرينا بهاي التجربة». وفي حياتها اليوم، تتابع ثمرة هذا الصبر؛ فالأطفال الذين كانت تخشى عليهم في الإصابة الأولى كبروا وتخرجوا من المدارس والجامعات والتحقوا بالعمل، واحتفلت قبل أسابيع بزواج أحد أبنائها.
أما ميسون طه، فواجهت تحدياً من نوع آخر بعد انتهاء علاجها: أسرة لم تتوقف عن الخوف عليها. تقول إن قلق أهلها دفعهم أحياناً إلى منعها من أعمال كانت معتادة عليها، ومراقبة حركتها ومدى تعبها، وهي تعي تماماً أن ذلك نابع من محبتهم، لكنها شعرت بحاجة ملحة إلى استعادة استقلاليتها وحقها في اتخاذ قراراتها. وبمرور الوقت بدأت تستعيد أدوارها داخل المنزل وتعود إلى المناسبات العائلية والأنشطة التي ابتعدت عنها خلال العلاج، وتؤكد أن اللحظة التي شعرت فيها بالعودة الحقيقية إلى الحياة لم تكن عند انتهاء الجلسات، بل عندما توقف أفراد أسرتها عن سؤالها المتكرر عما إذا كانت متعبة، وعادوا إلى التعامل معها بصورة طبيعية، من دون أن يعني ذلك أن يتوقفوا عن الاهتمام بصحتها.
ما الذي يقدّمه مركز الحسين للسرطان للناجيات؟ الأرقام والخدمات
تكشف الأرقام أن الحاجة إلى خدمات ما بعد العلاج واسعة، فالمرض يصيب نحو 550 أردنية سنوياً، ما يعني أن مئات العائلات تدخل سنوياً في مرحلة «الحياة بعد السرطان». وبناءً على المعلومات التي قدّمها مركز الحسين للسرطان، تتوزع خدمات الدعم على أكثر من مسار:
- الدعم الجسدي العملي: توفير حمّالات صدر خاصة للنساء اللواتي خضعن للجراحة، وهي أدوات تبدو بسيطة لكنها تصنع فرقاً مباشراً في الراحة اليومية وشكل الملبس.
- معالجة الأثر الجمالي: توفير خيارات الشعر المستعار، وهي مسألة تتعلق بالصورة الذاتية والثقة بالنفس بقدر ما تتعلق بالمظهر.
- الرعاية النفسية والاجتماعية: خدمات دعم نفسي واجتماعي، إلى جانب علاج طبيعي وبرامج تغذية، لمواجهة الآثار الجانبية الممتدة للعلاج.
- عيادة سرطان الثدي التثقيفية: تعمل بمنسقي تمريض سريري ومتخصصين وناجيات يشاركن المريضات تجاربهن الشخصية، ما يمنح المريضة صورة واقعية عن الرحلة بدل الأخبار المتقطعة.
- المتابعة المنظمة: تُحدَّد مواعيد الزيارات والفحوص بحسب نوع السرطان ومرحلته والعلاج الذي تلقتته المريضة، وتكون المراجعات متقاربة في السنوات الأولى ثم تتباعد تدريجياً وفق تقييم الطبيب.
وتُبرز هذه الخدمات معادلة مهمة: التعافي لا يُقاس بالنجاة من المرض فقط، بل بجودة الحياة بعدها. وكل عنصر من العناصر أعلاه يستهدف عائقاً واقعياً يواجه الناجيات — من ألم الجرح والوذمة إلى تساقط الشعر والقلق المزمن، وهو ما يجعل الدعم المؤسسي عاملاً موازياً للعلاج الطبي لا مجرد إضافة ثانوية.
الجسد والصورة الذاتية.. أين يقف العبء الأثقل؟
لا تقتصر آثار المرض على الخوف من عودته، فالجراحة والعلاجات قد تترك تغيّرات جسدية تؤثر في نظرة المرأة إلى نفسها، خصوصاً عند استئصال الثدي. وترى رولاند البواب أن تقبّل هذه التغيرات ليس أمراً سهلاً على جميع النساء، لأن الثدي مرتبط في الوعي الجماعي بصورة الأنوثة، ولأن القدرة على التكيف مع فقدانه أو تغيّر شكله تختلف من امرأة إلى أخرى. وتشرح أن بعض الناجيات يخترن اللجوء إلى عمليات ترميم الثدي، بينما تفضّل أخريات التعايش مع التغيرات الجسدية دون تدخلات إضافية، وهذا التباين ليس مقياساً لضعف أو قوة، بل يعكس اختلاف التجربة والظروف والقناعات.
في المقابل، يظهر عبء ثالث أقل نقاشاً: نظرة المحيط. فكما تشير تجربة ميسون طه، فإن العائلة التي تحوّل الحماية إلى وصاية عاطفية قد تسلب الناجية استقلاليتها من حيث لا تقصد. ولهذا يكتسب الدعم النفسي والاجتماعي قيمة مزدوجة: يعيد للمرأة إحساسها بقدراتها، ويساعد أسرتها في الوقت نفسه على فهم أن العودة إلى الحياة الطبيعية جزء من التعافي لا تهديد له. ومن هنا أيضاً تنبع أهمية مجموعات الدعم مثل «سند»، ومنصات المشاركة الشخصية التي أنشأتها رشا صوالحة تحت اسم «رشا صوالحة – تشافي»، حيث تحوّل بعض الناجيات تجربتهن الخاصة إلى مصدر توعية حول قيمة الكشف المبكر والاهتمام بالصحة.
ماذا يعني ذلك لك أو لامرأة قريبة منك؟
إن كنتِ ناجية، فالخلاصة العملية أن الأهم ليس انتظار «شعور بالاكتمال» بعد العلاج، بل بناء نظام حياة واضح: الالتزام بمواعيد المتابعة، وإبلاغ الطبيب بأي تغيّر جديد في منطقة الثدي أو الصدر أو الإبط، أو أي أعراض غير معتادة أو مستمرة، دون تأجيل. أما إن كنت في محيط الناجية، فأثبتت الشهادات الثلاث أن أسئلة مثل «هل أنتِ متعبة؟» التي تتكرر عشرات المرات قد تتحول إلى قيد، وأن الاستبدال الأفضل هو مشاركة عملية في الحياة اليومية: مسؤولية مشتركة، نشاط مشترك، وترك قرار يستعيد ثقتها بنفسها. وفي المستوى الأوسع، تكشف هذه التجارب أن إدماج خدمات التأهيل النفسي والجسدي في مسار العلاج ليس ترفاً، لأن استمرار الدعم هو ما يحدد جودة الحياة بعد النجاة.
أسئلة شائعة
- هل ينتهي سرطان الثدي فعلياً بعد آخر جلسة علاج؟ لا تنتهي الرحلة طبياً عند آخر جلسة، بل تتحول إلى مرحلة متابعة طويلة الأمد تشمل رصد أي عودة محتملة للمرض، والتعامل مع الآثار الجانبية المستمرة، ودعم الصحة الجسدية والنفسية.
- متى تكون مواعيد المتابعة بعد انتهاء العلاج؟ تختلف بحسب نوع السرطان ومرحلته والعلاج المتلقّى؛ تكون المراجعات متقاربة في السنوات الأولى ثم تتباعد تدريجياً وفق تقييم الطبيب. وقد كانت إحدى الناجيات في التقرير تراجع الطبيب كل ثلاثة أشهر، ثم أصبحت الزيارات كل ستة أشهر.
- هل تحتاج كل ناجية إلى فحوص تصويرية وتحاليل موسعة دورياً؟ لا، بحسب الجمعية الأمريكية للسرطان؛ إذ تُحدَّد الفحوص المناسبة بحسب الحالة والأعراض والتاريخ العلاجي، ويُجرى تصوير الثدي الشعاعي عندما يكون مطلوباً طبياً.
- كيف أتعامل مع محيط يعاملني كمريضة بعد التعافي؟ الحل ليس قطع الاهتمام، بل إعادة توجيهه؛ بمعنى الاتفاق على مساحة للاستقلال، مع الاستعانة بمجموعات الدعم مثل «سند» وبخدمات الإرشاد التي يوفّرها مركز الحسين للسرطان، لأن العودة إلى الأدوار اليومية جزء من الشفاء لا خروج عنه.