تشهد محافظة تعز اليمنية ومحيطها تصعيداً ميدانياً غير مسبوق على وقع اشتباكات عنيفة متواصلة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، أسفرت عن تدفق أعداد هائلة من الجرحى وتعطل حاد في خطوط الإمداد الإنساني. وفي الوقت الذي تتقاطع فيه الضغوط العسكرية مع الأزمات المعيشية، أعلنت وكالات أممية ودولية دق ناقوس الخطر إزاء تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتصاعد مخاطر تفشي أوبئة مميتة كالكوليرا والحصبة في ظل نزوح مئات الآلاف وتراجع القدرة التشغيلية للمرافق الصحية.
جذور التصعيد وخلفيات الميدان في تعز
تأتي هذه المواجهات المحتدمة لتكسر حالة الهدوء النسبي التي ميزت بعض جبهات القتال خلال الفترات الماضية، مدفوعة بتجدد الاشتباكات في الريف الغربي والجنوبي لمحافظة تعز وفي محيط المدينة، إضافة إلى امتدادها نحو جبهتي الأقروض والشقب. وتكتسب تعز، بصفتها واحدة من أكثر المحافظات اليمنية اكتظاظاً بالسكان، تعقيداً خاصاً نظراً لطبيعتها الجغرافية وشبكة الطرق الحيوية التي تربطها بالمحافظات المجاورة.
وتاريخياً، ظلت محافظة تعز تمثل عقدة رئيسية في الصراع اليمني، حيث تسببت القيود المفروضة على الطرق وحصار المدن في تقويض حركة المدنيين وتضاعف معاناة المجتمعات المحلية والنازحين على حد سواء، مما جعل أي تحرك عسكري فيها ينعكس بصورة فورية ومباشرة على الاستقرار الإنساني لأكثر من أربعة ملايين نسمة يقطنون المحافظة.
الأرقام الصادمة: جرحى بمستويات قياسية و800 ألف محروم من الغذاء
كشفت التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والمحلية عن أرقام مقلقة تعكس حجم المأساة الإنسانية المتصاعدة جراء اتساع رقعة المعارك:
- حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تدفق غير مسبوق للمصابين بأسلحة القتال نحو المرافق الصحية في تعز ومأرب وساحل البحر الأحمر.
- أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة انقطاع المساعدات المنقذة للحياة عن نحو 800 ألف شخص، معظمهم في محافظة تعز.
- أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تصنيف 10 مديريات في تعز من أصل 16 عند مستوى الطوارئ (المرحلة الرابعة).
- أفادت المنظمة الدولية للهجرة بنزوح أكثر من 216 ألف شخص في أنحاء اليمن منذ آب/ أغسطس، بينهم 172 ألفاً من تعز وحدها.
- سجلت منظمة الصحة العالمية قفزة في حالات الاشتباه بالكوليرا من 217 حالة إلى 647 حالة أسبوعياً خلال أسابيع معدودة، بإجمالي 8,034 حالة و27 وفاة منذ بداية العام.
- بلغت حالات الاشتباه بالحصبة أكثر من 22,800 حالة و128 وفاة، وسط انخفاض تغطية اللقاحات إلى نحو 45%.
التداعيات الصحية والتشغيلية للمنظمات الإنسانية
لم يقتصر تأثير العمليات العسكرية على تقييد حركة المواطنين وتجفيف منابع الغذاء فحسب، بل امتد ليشمل البنية التحتية الإنسانية ذاتها. فقد وثق برنامج الأغذية العالمي حوادث خطيرة شملت اقتحام بعض مكاتبه وفقدان أصول ومخزونات غذائية حيوية، إلى جانب انقطاع مسارات رئيسية لسلاسل الإمداد. هذا الوضع أدى إلى تقويض قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المديريات المتضررة، ولا سيما المخيمات النائية في مناطق مثل حضرموت وأبين ولحج والضالع وعدن التي تتركز فيها النسبة الأكبر من أوبئة الكوليرا.
إلى جانب ذلك، تعاني المستشفيات والمراكز الطبية في خطوط المواجهة من ضغوط هائلة تفوق طاقتها الاستيعابية، في وقت تعطلت فيه الإمدادات الدوائية وتراجع وصول الكوادر الطبية والمياه المأمونة، مما ينذر بكارثة صحية مضاعفة تصيب الفئات الأكثر هشاشة، وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن.
ماذا بعد؟ آفاق الأزمة والسيناريوهات المحتملة
تضع التطورات الميدانية والإنسانية الحالية المشهد في تعز أمام مفترق طرق خطير. فمع استمرار العمليات العسكرية وتزايد القيود على الطرق الحيوية، تتسارع مؤشرات الانهيار الشامل في الأمن الغذائي والقطاع الصحي. وتشير التقديرات إلى أن استمرار إغلاق الطرق وصعوبة إيصال الإغاثة سيؤديان حتماً إلى اتساع رقعة المجاعة وزيادة معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، إلى جانب خروج المزيد من المرافق الصحية عن الخدمة نهائياً ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات عاجلة تضمن فتح ممرات آمنة وتأمين العمليات الإنسانية.
أسئلة شائعة
- لماذا تمثل محافظة تعز البؤرة الأكثر تأثراً بالنزاع الحالي؟ لأنها المحافظة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في اليمن، وتشهد تقاطعاً حاداً بين خطوط المواجهة العسكرية وحصار الطرق المؤدية إلى مناطق التجمعات الحضرية ومخيمات النازحين.
- ما هي أبرز المخاطر الصحية التي تهدد السكان حالياً؟ تحذر منظمة الصحة العالمية من تفشي أوبئة الكوليرا والحصبة بسبب نقص المياه المأمونة وانخفاض معدلات التطعيم إلى نحو 45% واكتظاظ مخيمات النزوح.
- كم عدد الأشخاص المتضررين من انقطاع المساعدات الغذائية؟ أكد برنامج الأغذية العالمي أن انقطاع المساعدات طال نحو 800 ألف شخص، يتركز معظمهم في محافظة تعز.