شهدت مدينة عدن ومحافظات جنوبية عدة، الأربعاء، واحدة من أوسع الحشود الشعبية التي تشهدها المنطقة الجنوبية في السنوات الأخيرة، احتفاءً بالذكرى الـ63 لانطلاق ثورة 14 أكتوبر 1963، وذلك تلبيةً لدعوة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، الذي كان قد أعلن في اليوم السابق «التعبئة الشعبية العامة» للدفاع عن الجنوب. وامتدت الفعالية وفق البيان المنظّم لها على مدى جغرافي واسع يبدأ من المهرة شرقاً وينتهي عند باب المندب غرباً، بمشاركة يمنيين من عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وأرخبيل سقطرى، في توقيت يتقاطع مع تصعيد عسكري مستمر على المنشآت المدنية في السعودية، ما يمنح الحدث هذا العام بعداً سياسياً يتجاوز الإطار الرمزي للاحتفال السنوي.
أخبار ذات صلة قد تهمك
من ردفان 1963 إلى ساحات عدن: لماذا تحمل هذه الذكرى ثقلاً استثنائياً؟
لا يتعامل الجنوبيون مع الرابع عشر من أكتوبر كتاريخ عابر في التقويم، بل كمحطة مؤسِّسة للهوية السياسية للجنوب العربي الحديث. ففي ذلك العام انطلق الكفاح المسلح من جبال ردفان ضد الحكم البريطاني، وتوّجت تلك المرحلة بجلاء الاستعمار عن عدن في الثلاثين من نوفمبر 1967، وقيام الدولة الجنوبية المستقلة التي عاشت حتى قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، وهو التاريخ الذي يستحضره بيان الفعالية صراحةً عند الحديث عن «حدود معترف بها دولياً».
أخبار ذات صلة قد تهمك
وعقب حرب صيف 1994، تصاعدت المطالب الجنوبية على مراحل متعاقبة، من الحراك السلمي الذي انطلق عام 2007، وصولاً إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في 2017 بقيادة عيدروس الزبيدي، وهو المجلس الذي جرى إدماجه لاحقاً داخل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 ضمن ترتيبات سياسية برعاية إقليمية. ومن هذا المنظور، فإن مراسم أكتوبر باتت أقرب إلى عرض سياسي سنوي لقياس حجم الحاضنة الشعبية، لا إلى مجرد مناسبة تاريخية.
من المهرة شرقاً إلى باب المندب غرباً: ماذا تقول جغرافيا الحشود؟
- الامتداد الجغرافي المعلن — من أقصى الشرق حتى الساحل الغربي — يوحي بمحاولة إظهار تمثيل لكل الأقاليم الجنوبية لا لمركز واحد، وهي رسالة موجّهة إلى الداخل والخارج في آن.
- إدراج سقطرى والمهرة وحضرموت وشبوة في قائمة المحافظات المشاركة يعني ضمناً تأكيد أن الحراك لا يقتصر على عدن ومحيطها.
- ذكر باب المندب في البيان ليس تفصيلاً عابراً، بل ربط مباشر بين شرعية الحضور الميداني والموقع الاستراتيجي للمضيق الذي يمرّ عبره أحد أهم ممرات الملاحة العالمية.
ووفق بيان «مليونيات الاحتفال بالذكرى الـ63 لثورة 14 أكتوبر»، فإن الحضور أظهر أن "روح الثورة وعنفوانها لا تزال سارية في وجدان الأجيال المعاصرة"، معتبراً أن "الوعي الثوري كفيل بحماية المنجزات الوطنية وصونها، والمضي نحو الاستقلال الوطني الناجز".
بيان المليونيات: ما الذي قيل فعلاً وما الذي يعنيه؟
- التأصيل التاريخي: ربط البيان انطلاق الثورة من جبال ردفان بتاريخ طويل من "النضال السلمي والانتفاضات الشعبية المسلحة"، وهو تأصيل يهدف إلى نزع صفة الحدث الطارئ عن المطالب الجنوبية وتقديمها كامتداد تاريخي طبيعي.
- إدانة صريحة: جاء في البيان رفض "شعب الجنوب القاطع لاستهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية أيا كان مصدره"، مع إدانة محددة للـ"اعتداءات الحوثية الأخيرة على المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية".
- البراءة من الإرهاب: شدد البيان على أن "الجنوب لن يكون ملاذاً لقوى الجهاد العالمي والتطرف والإرهاب، ولا قاعدة لتجميعها وانطلاقها"، مع الإصرار على دوره كـ"شريك فاعل في مكافحة الإرهاب وحماية الأمن الإقليمي والدولي".
- المطلب المركزي: دعوة المجتمعين الإقليمي والدولي إلى "الاعتراف المسؤول بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم المستقلة كاملة السيادة"، مع حجة مرتبطة بالمضيق، وهي أن قدرة الجنوبيين على حماية باب المندب "ستظل منقوصة ما لم تقترن بالإدارة العسكرية والسياسية الكاملة".
ويُلاحظ أن البيان وظّف صيغة المنطق المضاد في مخاطبة الخارج، حين اعتبر أن "من لا يعترف بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم لا يعترف ضمناً بمشروعية الدول الوطنية المستقلة القائمة في الوطن العربي"، وهو إطار يجعل القضية الجنوبية في مواجهة مباشرة مع أي مقاربة تقوم على حفظ الوضع القائم.
التعبئة العامة: رسائل مزدوجة نحو الداخل والخارج
إعلان الزبيدي التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب، والدعوة إلى مواصلة مواجهة الحوثيين و"مشروع إيران التوسعي" والجماعات المتطرفة، يحمل قراءتين متلازمتين. داخلياً، يمثل الإعلان أداة لتنظيم الطاقات الشعبية وتحويل الغضب المتراكم إلى هيكل قادر على المناورة في أي مواجهة مقبلة. وخارجياً، يُقرأ كرسالة تذكير بأن القدرة على التحكم في الساحل الجنوبي والمضيق مرتبطة بمن يُمنح الشرعية السياسية والأمنية هناك.
وفي هذا السياق، فإن الربط بين التعبئة الشعبية والاستهداف المعلن للمدنيين والمنشآت المدنية في السعودية يضع الحدث في إطار الصراع الإقليمي الأوسع، لا في خانة الملف المحلي المنفصل، إذ يقدّم البيان نفسه كطرف مصطفّ في مواجهة التصعيد، وهو ما يمنح المطالب الجنوبية غطاءً مضمونياً في أي نقاش إقليمي قادم.
الجنوب وباب المندب: الرهان الاستراتيجي الأكبر
يعيد البيان الضغط على نقطة جوهرية: أن باب المندب ليس ملفاً بحرياً فقط، بل ورقة تفاوض سياسية. فالمضيق الذي يفصل بين آسيا وأفريقيا ويمرّ عبره جزء كبير من حركة التجارة والنقل البحري، ظل على مدار العقد الأخير ساحة لتجاذبات أمنية متعددة، وهو ما يجعل أي نقاش دولي حول أمنه غير قابل للفصل عن سؤال من يدير الأرض الواقعة على طرفه الشرقي.
ومن المنتظر أن يواصل المجلس الانتقالي تسويق هذه المعادلة في المحافل الإقليمية والدولية، مستنداً إلى تهديدات أمنية متكررة في البحر الأحمر على حركة الملاحة، ما يمنح مطلب "الإدارة العسكرية والسياسية الكاملة" تفسيراً عملياً في نظر الأطراف التي تبحث عن استقرار في الممر المائي.
وماذا بعد؟ ثلاثة سيناريوهات مطروحة
- سيناريو التصعيد المحدود: استمرار الفعاليات والتعبئة الشعبية كأداة ضغط سلمية، مع الحفاظ على قنوات التنسيق القائمة داخل مجلس القيادة الرئاسي والترتيبات الإقليمية.
- سيناريو التفاوض المشروط: تحويل الحشود إلى رصيد في أي مفاوضات قادمة حول ترتيبات الحكم في الجنوب، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالمنافذ والمضيق والمقدرات المحلية.
- سيناريو المواجهة المفتوحة: إذا اتسع التصعيد العسكري على الجبهات، فإن التعبئة العامة قد تتحول إلى إطار لاستنفار واسع، وهو احتمال يظل مرهوناً بمسار الأحداث على الأرض أكثر من الإرادة المنفردة لأي طرف.
والحاصل أن المشهد يتجاوز الاحتفال السنوي، إلى لحظة تُعاد فيها صياغة السؤال الجنوبي بلغة أكثر وضوحاً، وربطه بأمن الإقليم ومكافحة الإرهاب والملاحة الدولية، وهو ما سيجعل هذه الذكرى نقطة مرجعية يقاس عليها ما بعد الرابع عشر من أكتوبر 2026.
أسئلة شائعة
- ما هي الذكرى التي تُحييها الحشود في عدن؟ الذكرى الـ63 لانطلاق ثورة 14 أكتوبر 1963 من جبال ردفان ضد الحكم البريطاني في الجنوب.
- من دعا إلى الفعالية؟ دعا إليها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، الذي أعلن في اليوم السابق التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب.
- ما أبرز مطالب بيان المليونيات؟ الاعتراف بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم المستقلة بحدود ما قبل 22 مايو 1990، وإدانة الاعتداءات على المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية، والتأكيد على رفض استخدام الجنوب ملاذاً للإرهاب.
- ما علاقة باب المندب بالمطالب الجنوبية؟ يربط البيان بين قدرة الجنوبيين على حماية المضيق وحاجتهم إلى إدارة عسكرية وسياسية كاملة تتحقق باستعادة الدولة المستقلة.