في وقت تتوسع فيه أعداد المصابين بالسرطان حول العالم، وتتعدد فيه العلاجات المتقدمة، يظل سؤال واحد معلقاً فوق رؤوس ملايين المرضى: هل ستصل الجرعة الإشعاعية في الوقت المناسب؟ هذا السؤال تحديداً هو ما يحرّك التحرك الجديد للوكالة الدولية للطاقة الذرية، المعلن في 14 أكتوبر 2026، لمساعدة البلدان على حشد الاستثمارات اللازمة لتوسيع نطاق خدمات العلاج الإشعاعي. والخطوة لا تتعلق بشراء أجهزة فحسب، بل بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الصحي في الدول محدودة الموارد.
أخبار ذات صلة قد تهمك
قد يبدو الخبر تقنياً للوهلة الأولى، لكنه يلامس أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في ملف السرطان عالمياً: لماذا ينتظر مريض في بلد منخفض الدخل شهوراً للحصول على جلسة إشعاعية، بينما يحصل عليها آخر في بلد غني خلال أيام؟ وهنا تكمن «المعلومة الذهبية» في هذا الملف: العقدة لم تعد في وجود الجهاز، بل في تمويل دورة حياته كاملة من التشغيل والصيانة والكوادر.
الركائز الثلاث لعلاج السرطان.. ولماذا يبقى الإشعاع آخر من يُموَّل؟
يقوم علاج السرطان الحديث على ثلاث ركائز متكاملة: الجراحة، والعلاج الكيميائي، والعلاج الإشعاعي. وتشير تقديرات صحية دولية متداولة إلى أن نسبة كبيرة من مرضى السرطان — تقترب من النصف — تحتاج إلى العلاج الإشعاعي في مرحلة ما من رحلتهم العلاجية، سواء بهدف الشفاء أو لتخفيف الألم وضبط الأعراض في الحالات المتقدمة. ومع ذلك، يبقى العلاج الإشعاعي هو الأقل حظاً في ميزانيات الصحة في كثير من الدول النامية، لأنه باهظ التكلفة في بنيته التحتية، وبطيء العائد السياسي مقارنة بحملات التطعيم أو مكافحة الأوبئة.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومقرها فيينا، ليست جهة صحية بالمعنى التقليدي، لكنها تعمل منذ تأسيسها عام 1957 على تعزيز الاستخدامات السلمية للتقنية النووية، ومنها الطب النووي والعلاج الإشعاعي. وقد تراكمت لديها خبرة طويلة في دعم الدول عبر برامج التعاون الفني، ومراجعات متكاملة تقيّم جاهزية الأنظمة الصحية الوطنية لعلاج السرطان، إضافة إلى مبادرات أوسع مثل مبادرة «أشعة الأمل» التي أُطلقت عام 2022 لتعزيز الوصول إلى العلاج الإشعاعي في الدول محدودة الموارد، بدءاً من إفريقيا ثم التوسع إلى آسيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من أوروبا الشرقية. التحرك الجديد يأتي امتداداً لهذا المسار، لكنه يضع التمويل في قلب المعادلة بدلاً من الاكتفاء بالدعم الفني.
ما الذي يعنيه «حشد الاستثمارات» فعلياً على أرض الواقع؟
عبارة «حشد الاستثمارات» تبدو فضفاضة، لكنها في السياق الصحي تعني سلسلة إجراءات ملموسة لا تكتمل إلا مجتمعة. وأي خلل في حلقة واحدة يجعل الجهاز الأحدث في المستشفى مجرد معدن ثقيل لا يقدّم جلسة واحدة:
- تمويل دورة الحياة الكاملة: لا يقتصر الأمر على شراء جهاز المسرع الخطي، بل يمتد إلى تكلفة التركيب والتدريب والصيانة الدورية وقطع الغيار لمدة قد تصل إلى عشر سنوات، وهي بنود تُغفَل غالباً عند التخطيط الأولي.
- الكوادر البشرية المتخصصة: يحتاج كل مركز إشعاعي إلى أطباء أورام إشعاعية، وفيزيائيين طبيين، وفنيي علاج، ومهندسي صيانة؛ ونقص هؤلاء هو العائق الأول في كثير من الدول، لا نقص الأجهزة.
- شراكات التمويل المبتكر: تشمل قروضاً ميسّرة من بنوك التنمية، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، ونماذج تشاركية بين دول الجوار لإنشاء مراكز إقليمية بدل تكرار الاستثمار في كل بلد على حدة.
- الأطر التنظيمية وضمان الجودة: أي توسع في العلاج الإشعاعي يستلزم هيئات رقابية قادرة على ترخيص الأجهزة والتحقق من الجرعات وحماية المريض والطبيب من الإشعاع غير المبرر.
- الخطط الوطنية للسرطان: بلا استراتيجية وطنية واضحة تحدد أعداد المرضى وتوزيعهم الجغرافي، تتحول الاستثمارات إلى مشاريع متفرقة لا تخدم الفئات الأشد احتياجاً.
الفجوة ليست في الأجهزة.. من يحمل الملف فعلاً؟
عند تفكيك المشهد، يتضح أن العلاج الإشعاعي يقع في منطقة رمادية بين وزارات الصحة التي تتحمل مسؤولية الخدمة، ووزارات المالية التي تمسك بقرار الإنفاق، وبنوك التنمية التي تشترط دراسات جدوى طويلة، والقطاع الخاص الذي يبحث عن عائد سريع. هذا التشتت هو السبب الجذري لتأخر التوسع، إذ يصبح كل طرف قادراً على تأجيل القرار بحجة انتظار الطرف الآخر.
يُضاف إلى ذلك أن العلاج الإشعاعي بطبيعته «صامت» إعلامياً: لا يظهر في صورة مساعدات إنسانية عاجلة، ولا في حملات توعية جماهيرية، لأن نتائجه تُقاس بسنوات لا بأسابيع. وهذا يجعله عرضة للتأجيل في أي أزمة مالية، رغم أن تأجيله يعني فقدان فرص شفاء حقيقية لمرضى كانوا في مراحل قابلة للعلاج.
المراكز الإقليمية والعلاج المشترك: المعادلة التي تخفض الكلفة
أحد أكثر السيناريوهات المطروحة لمعالجة الكلفة هو التوسع في نموذج المراكز الإقليمية المشتركة، حيث تتقاسم عدة دول أو أقاليم مركزاً إشعاعياً واحداً عالي الجودة بدل إنشاء مراكز صغيرة منخفضة الكفاءة في كل موقع. هذا النموذج يخفض تكلفة الجهاز لكل مريض، ويرفع عدد الحالات التي يمر بها الفريق الطبي سنوياً، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة النتائج.
لكنه في المقابل يطرح تحديات لوجستية واجتماعية: انتقال المريض لمسافات طويلة، وتكاليف الإقامة، وضغط قوائم الانتظار. لذلك يبقى الحل الأمثل مزيجاً بين مراكز إقليمية كبرى ووحدات أصغر قادرة على تقديم جلسات التخفيف في المستشفيات العامة.
وماذا يعني ذلك لك ولعائلتك؟
إن كنت مريضاً أو لديك قريب في رحلة علاج، فالأثر هنا مباشر: توسيع الخدمات الإشعاعية يعني تقليص زمن الانتظار، وتقليل الحاجة إلى السفر خارج البلد أو المحافظة، وتخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالإقامة والتنقل، وهي أعباء تُثقل كاهل الأسر أكثر من تكلفة العلاج نفسها في كثير من الحالات.
أما على المستوى العام، فإن أي استثمار في العلاج الإشعاعي هو استثمار في تقليل الوفيات المبكرة وفي إنتاجية قوة العمل. ومع ذلك، يبقى الحكم على النتائج رهيناً بقدرة الدول على تحويل التعهدات إلى بنود فعلية في موازناتها، وهو ما لم يظهر بوضوح بعد في تفاصيل هذا التحرك الجديد.
أسئلة شائعة
- ما هو العلاج الإشعاعي؟ أسلوب علاجي يستخدم حزماً من الإشعاع المؤين لقتل الخلايا السرطانية أو تقليص حجم الأورام، ويُستخدم إما بغرض الشفاء أو لتخفيف الأعراض.
- لماذا تحتاج الدول إلى «حشد استثمارات» بدل شراء الأجهزة فقط؟ لأن الجهاز وحده لا يكفي؛ فالتشغيل الآمن يتطلب كوادر مدربة وصيانة دورية وقطع غيار ونظام ضمان جودة، وكلها بنود مستمرة تحتاج تمويلاً متجدداً.
- هل يقتصر دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الجانب الفني؟ لا، إذ يمتد دورها إلى مساعدة الدول في بناء خططها الوطنية وتقييم احتياجاتها ودعم جهودها لجذب التمويل، إلى جانب الدعم الفني والتدريبي.
- ما الذي يتغير فعلياً بالنسبة للمريض؟ التوسع في الخدمات يعني مراكز أقرب، وقوائم انتظار أقصر، وتكاليف تنقل أقل، لكن ذلك يظل مرهوناً بتنفيذ الخطط على المدى المتوسط لا الفوري.