في عالم كرة القدم تُقاس القوة عادةً بحجم الأموال وعدد النجوم وثقل البطولات، لكن عند فتح صناديق الاقتراع داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تنقلب هذه القاعدة رأساً على عقب تماماً. الاتحاد الألماني، أحد أغنى الاتحادات الكروية في العالم وأكثرها إنجازاً، يملك صوتاً واحداً في انتخابات رئاسة فيفا، وهو الصوت ذاته الذي يملكه اتحاد دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الآلاف. هذا التناقض الحسابي الصارخ هو الجدار الحقيقي الذي يحمي كرسي جياني إنفانتينو، ويجعل الإطاحة به مهمة شبه مستحيلة مهما بلغت قوة الأوروبيين المالية والإعلامية.
أخبار ذات صلة قد تهمك
قاعدة الصوت الواحد: حيث تنكسر هيبة العمالقة أمام جزيرة صغيرة
منذ تأسيس الاتحاد الدولي عام 1904، رسّخ الفيفا مبدأً بسيطاً في ظاهره وعميقاً في أثره: الجمعية العمومية (الكونغرس) هي الجهة الوحيدة المخوّلة انتخاب الرئيس، وفيها لكل اتحاد وطني عضو صوت واحد فقط، بلا استثناء ولا وزن نسبي. لا يُحسب عدد سكان الدولة، ولا حجم استثماراتها الكروية، ولا تاريخها في المونديال، ولا قيمة عقود بث دوريها المحلي.
عملياً، يعني ذلك أن الاتحاد البرازيلي صاحب خمسة ألقاب عالمية يمتلك صوتاً مساوياً تماماً لاتحاد سان مارينو أو مونتسيرات أو توفالو، وأن الاتحاد الألماني بموازناته الضخمة يقف على قدم المساواة مع أصغر اتحاد في الكاريبي. هذا المبدأ وُضع تاريخياً لحماية الفيفا من هيمنة القوى الكروية التقليدية في أوروبا وأمريكا الجنوبية على القرار العالمي، لكنه تحوّل مع الزمن إلى أداة نفوذ بيد الرئيس الحالي، لأن أغلبية الجمعية العمومية تتكوّن من اتحادات صغيرة ومتوسطة تحتاج تمويل الفيفا أكثر مما تحتاج حماية مصالح الأندية الأوروبية.
أخبار ذات صلة قد تهمك
وللتاريخ دلالة واضحة هنا: عندما انهارت رئاسة السويسري سيب بلاتر عام 2015 تحت وطأة تحقيقات فساد واسعة، وصل إنفانتينو إلى الرئاسة في فبراير 2016 عبر تصويت الجمعية العمومية، حيث حسم الجولة الثانية بفارق 27 صوتاً (115 مقابل 88). ومنذ ذلك الحين لم يواجه الرئيس الحالي منافساً جدياً في أي انتخابات، إذ جُدّد له في 2019 بباريس، ثم في 2023 بالتصويت بالتزكية.
الأرقام التي تحكم المعادلة: 211 صوتاً و55 منها لأوروبا فقط
لفهم لماذا يعجز الأوروبيون عن تغيير رئيس الفيفا، يكفي تفكيك الخريطة الرقمية للجمعية العمومية:
- 211 اتحاداً وطنياً عضواً في الفيفا، ولكل واحد صوت واحد في انتخابات الرئاسة.
- 106 أصوات هي الأغلبية المطلقة المطلوبة لحسم الانتخابات من الجولة الأولى، أي أكثر من نصف عدد الاتحادات.
- 55 اتحاداً أوروبياً فقط، أي ما يعادل نحو 26% من إجمالي الأصوات؛ ومعناه أن أوروبا حتى لو صوّتت مجتمعةً ككتلة واحدة ضد الرئيس فلن تبلغ نصف الأصوات المطلوب، وستحتاج حتماً إلى حلفاء من قارات أخرى.
- 101 صوت لأفريقيا وآسيا مجتمعتين (54 اتحاداً أفريقياً و47 آسيوياً)، ما يجعل هاتين القارتين الكتلة الأكبر والقادرة فعلياً على صناعة الرئيس أو إسقاطه.
- فارق الحجم السكاني: ألمانيا بنحو 83 مليون نسمة تملك صوتاً واحداً، وسان مارينو بنحو 34 ألف نسمة تملك صوتاً واحداً أيضاً.
- الولاية الرئاسية في الفيفا أربع سنوات، ما يعني أن أي إصلاح جذري في نظام التصويت يحتاج قراراً من الجمعية العمومية نفسها التي تستفيد من بقاء النظام على حاله.
هذه الأرقام مجتمعة تفسّر مفارقة تبدو غريبة للوهلة الأولى: من يسيطر على الأموال لا يسيطر بالضرورة على القرار.
من يدفع فاتورة الولاء؟ المال الذي يتحرك في اتجاه واحد
الصوت في الفيفا ليس مجانياً تماماً. عبر برنامج التطوير «فيفا فوروارد»، تضخّ المنظمة الدولية أموالاً سنوية لكل اتحاد وطني عضو، تشمل تمويل الملاعب والمراكز الفنية وبرامج الناشئين والتحكيم وتدريب المدربين. وبالنسبة لاتحادات عديدة في أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا والكاريبي، يمثل هذا الدعم الجزء الأكبر إن لم يكن الوحيد من موازنتها التشغيلية.
هذه المعادلة تخلق تماسكاً مصلحياً واضحاً: الاتحاد الذي يعتمد على دعم الفيفا السنوي لا يجد مصلحة في تغيير الإدارة التي تصرف هذا الدعم. وفي المقابل، تعتمد ميزانيات الفيفا ذاتها بشكل هائل على عائدات أوروبا، من حقوق البث إلى الرعاة العالميين إلى نجوم الأندية الأوروبية الذين يمنحون منتجات الفيفا قيمتها التجارية.
وقد برز هذا التناقض في أكثر من مواجهة، أبرزها معركة «كأس العالم كل عامين» التي طرحها الفيفا عام 2021 ورفضها الاتحاد الأوروبي بشدة. وتكرر التوتر لاحقاً بشأن ضغط الرزنامة الدولية وتوسيع كأس العالم للأندية، وهو ما دفع الاتحادات الأوروبية واللاعبين إلى التلويح باللجوء إلى الجهات التنظيمية الأوروبية.
إنفانتينو ومعادلة البقاء: لماذا تبدو الإطاحة شبه مستحيلة؟
ثلاثة عناصر تحمي الرئيس الحالي. الأول حسابي محض: كتلة أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا والكاريبي تفوق وحدها الأغلبية المطلوبة، وهي الكتلة التي بُنيت علاقات الفيفا معها خلال العقد الأخير عبر مشاريع التطوير وزيادة مقاعد القارات في كأس العالم الموسّع. الثاني مؤسسي: لا توجد آلية داخلية تُلزم الرئيس بالاستقالة أو تُجرّد الجمعية العمومية من حق التصويت، والرقابة الداخلية على أداء الرئيس لا تقوم بها جهة مستقلة فعلياً. والثالث سياسي: المعارضة الأوروبية نفسها غير موحّدة دائماً، إذ تتباين مصالح الاتحادات الكبرى مع الاتحادات الصغيرة داخل القارة الأوروبية، وبعضها يتقاطع مع سياسات الفيفا أكثر مما يختلف معها.
يُضاف إلى ذلك أن أي منافس محتمل لا يمكنه الفوز من دون بناء شبكة دعم في أفريقيا وآسيا، وهي مهمة مكلفة وتحتاج سنوات، في مقابل امتلاك الرئيس الحالي لموقع مالي وتنظيمي يسمح له بتثبيت قواعده باستمرار.
الفائز والخاسر: أين يقف الاتحاد العربي من هذه المعادلة؟
للقارئ العربي مصلحة مباشرة في هذه المعادلة. فالاتحادات العربية، بأكثر من عشرين اتحاداً موزّعة بين القارتين الآسيوية والأفريقية، تشكّل جزءاً من الكتلة التصويتية التي تحدد مصير رئاسة الفيفا، ما يمنحها قدرة تفاوضية حقيقية لا تُقاس بعدد نجومها ولا بأوزان أنديتها.
وقد تُرجم هذا النفوذ التصويتي خلال السنوات الأخيرة إلى مكاسب ملموسة: تعزيز الحضور العربي في بطولات الفيفا، وإسناد تنظيم كأس العالم 2034 للمملكة العربية السعودية، ومشاركة المغرب في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. أي أن صوتاً واحداً في قاعة الكونغرس قد يكون أثمن من صفقة بيع لاعب بمليارات.
الخلاصة أن معركة رئاسة الفيفا لا تُحسم في ملاعب أوروبا ولا في أسواق الانتقالات، بل في قاعة تصويت تتساوى فيها الدول الكبرى بالدول الصغيرة — وهذا بالضبط ما يجعل عرش إنفانتينو محمياً ليس بالنتائج الرياضية، بل بالهندسة الحسابية لنظام انتخابات الفيفا.
أسئلة شائعة
- كم عدد الأصوات المطلوبة للفوز برئاسة الفيفا؟ يحتاج المرشح إلى أغلبية مطلقة من أصوات الاتحادات الأعضاء في الجمعية العمومية، أي نحو 106 أصوات من أصل 211 حالياً.
- هل صوت الاتحاد الألماني أكبر من صوت اتحاد دولة صغيرة؟ لا؛ لكل اتحاد وطني عضو صوت واحد فقط في الانتخابات، بغض النظر عن عدد السكان أو حجم الاستثمارات أو تاريخ الإنجازات.
- لماذا لا تستطيع أوروبا إسقاط رئيس الفيفا رغم ثقلها المالي؟ لأن الاتحادات الأوروبية لا تتجاوز 55 من أصل 211 صوتاً، وهي حصة غير كافية وحدها للأغلبية المطلقة دون دعم اتحادات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوقيانوسيا.
- ما الذي يمنح الرئيس الحالي هذه القوة التصويتية؟ مزيج من برامج التمويل التنموي للاتحادات الصغيرة، وتوسيع مشاركة القارات في البطولات، وغياب فصل واضح بين إدارة الفيفا ومسؤولية الرقابة على الانتخابات.