الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية التحالفات العسكرية اتفاقية «درع أخيل» تُشعل قلق أنقرة: كيف ترى تركيا التحالف العسكري بين اليونان وإسرائيل؟

اتفاقية «درع أخيل» تُشعل قلق أنقرة: كيف ترى تركيا التحالف العسكري بين اليونان وإسرائيل؟

نُشر في: 10 سبتمبر 2026
05:01 ص
مُحدّث: منذ 3 أسابيع
اتفاقية «درع أخيل» تُشعل قلق أنقرة: كيف ترى تركيا التحالف العسكري بين اليونان وإسرائيل؟

تشهد منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً على الصعيدين الجيوستراتيجي والأمني، في ظل صعود تحالفات جديدة وإعادة رسم خرائط النفوذ بين القوى الإقليمية. ويأتي في قلب هذه التحولات التصاعد المستمر في قلق العاصمة التركية أنقرة، إزاء التقارب العسكري والاستخباراتي المتسارع بين اليونان وإسرائيل. هذا التقارب الذي توج مؤخراً باتفاقية الدفاع الاستراتيجية المعروفة إعلامياً ودبلوماسياً باسم «درع أخيل»، لم يعد مجرد تعاون تقليدي بين دولتين، بل تحول إلى مظلة أمنية متكاملة تثير هواجس عميقة لدى صانع القرار التركي، الذي يرى فيها تهديداً مباشراً لتوازنات القوى الإقليمية ولمجاله الحيوي في البحار المحيطة.

السياق التاريخي والجيوسياسي: جذور التقارب الأثيني الإسرائيلي

تعود جذور التعاون العسكري بين اليونان وإسرائيل إلى عقد كامل من الزمن، حيث شهدت العلاقة بين أثينا وتل أبيب نقلة نوعية تدريجية بعد التصدعات التي أصابت العلاقات التركية الإسرائيلية في مطلع العقد الماضي. وجدت أثينا في إسرائيل شريكاً تكنولوجياً وعسكرياً لا يقدر بثمن، لا سيما في مجالات الصناعات الدفاعية المتقدمة، والطائرات بدون طيار، وأنظمة الإنذار المبكر، والأمن السيبراني. وفي المقابل، وجدت تل أبيب في اليونان عمقاً جغرافياً واستراتيجياً حيوياً في القارة الأوروبية، فضلاً عن كونها بوابة رئيسية نحو حوض شرق المتوسط. هذا التلاقي في المصالح أسس لشبكة واسعة من المناورات العسكرية المشتركة، مثل مناورات «إنيوخوس»، وتنسيق استخباراتي رفيع المستوى، وصولاً إلى توقيع اتفاقيات تسليح استراتيجية ضخمة مثل صفقة تدريب الطيارين اليونانيين بواسطة شركة «إلبيت» الإسرائيلية، والتي مهدت الطريق أمام إبرام اتفاقية «درع أخيل» التي تشكل الذروة العسكرية لهذا الحلف.

أبعاد اتفاقية «درع أخيل» وتأثيرها على معادلات الردع

تمثل اتفاقية «درع أخيل» نقلة نوعية في طبيعة التنسيق العسكري بين اليونان وإسرائيل، إذ تتجاوز صفقات توريد الأسلحة التقليدية إلى الدمج البنيوي للقدرات الدفاعية والاستخباراتية. تتضمن الاتفاقية بحسب التسريبات الدبلوماسية والتقارير العسكرية:

  • ربط منظومات الدفاع الجوي: إنشاء شبكة إنذار مبكر مشتركة قادرة على رصد وتتبع أي تحركات جوية في مساحات شاسعة من شرق المتوسط.
  • التكامل الاستخباراتي: تبادل مكثف للمعلومات العسكرة والأمنية الحساسة على مدار الساعة بين غرف العمليات في أثينا وتل أبيب.
  • التدريب والمناورات المتقدمة: تنفيذ تمارين عسكرية معقدة تحاكي سيناريوهات الدفاع الهجومي والسيطرة البحرية في بيئات قتالية صعبة.
  • تطوير التكنولوجيا العسكرية المشتركة: الاستثمار المتبادل في تقنيات الحرب الإلكترونية، والأنظمة المستقلة، والدفاع السيبراني الموجه لحماية البنى التحتية الحرجة.

هذه البنود تجعل من «درع أخيل» درعاً حقيقياً يمنح اليونان تفوقاً نوعياً ملحوظاً، ويُمكّن إسرائيل من مد نفوذها الاستراتيجي نحو العمق الأوروبي عبر الأراضي والمياه اليونانية.

مصدر القلق التركي: بين الأمن البحري والمجال الحيوي

تراقب المؤسستان السياسية والعسكرية في أنقرة، بقيادة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، هذه التطورات عن كثب وبدرجة عالية من التأهب. ولا يقتصر مصدر القلق التركي على مجرد حصول اليونان على عتاد عسكري متطور، بل يمتد إلى الأبعاد التالية:

  • اختلال ميزان القوى في بحر إيجة وشرق المتوسط: تخشى أنقرة أن يفضي التعاون الأثيني الإسرائيلي إلى تقويض التفوق البحري والجوي التركي التقليدي في مناطق نفوذها التاريخية.
  • طريق خطوط الطاقة والمياه الإقليمية: تتداخل اتفاقية «درع أخيل» مع النزاعات القائمة حول ترسيم الحدود البحرية ومناطق التنقيب عن الغاز الطبيعي (مثل مشروع خط أنابيب إيست ميد المحتمل)، مما يهدد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لتركيا.
  • التطويق الجيوسياسي: ترصد أنقرة بقلق بالغ تشكيل محور إقليمي يضم اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، مدعوماً أحياناً بأطراف دولية، وهو ما تراه تركيا محاولة ممنهجة لعزلها وحرمانها من حقوقها السيادية في المياه الدولية.

هذه الهواجس دفع الدبلوماسية التركية إلى رفع نبرة الخطاب السياسي، محذرة من أن هذه التحالفات قد تؤجج التوترات الإقليمية ولا تساهم في تحقيق الاستقرار المنشود في حوض المتوسط.

السيناريوهات المستقبلية وتداعيات سباق التسلح

إن تداعيات إبرام اتفاقية «درع أخيل» وبروز هذا المحور العسكري تتجاوز الثنائي التركي-اليوناني لتطال الأمن الإقليمي والدولي بأسره. يفتح هذا الواقع الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول يتمثل في تصاعد سباق التسلح في المنطقة، حيث قد تلجأ تركيا إلى تسريع وتيرة إنتاج ونشر منظوماتها العسكرية الوطنية المتقدمة، مثل طائرات المسيرات الهجومية ومنظومات الدفاع الجوي محلية الصنع (حصار وبَحَر)، لتعويض أي اختلال محتمل في ميزان الردع. السيناريو الثاني يتعلق باحتمال حدوث احتكاكات تكتيكية عرضية في عرض البحر أو الجو نتيجة كثافة الأنشطة العسكرية المتبادلة، مما يتطلب آليات تهدئة دولية لمنع انزلاق الأمور نحو مواجهة غير محسوبة. أما السيناريو الثالث فيكمن في إمكانية تحول هذه التوترات إلى دافع لإعادة صياغة مسار الدبلوماسية الإقليمية، عبر البحث عن تسويات شاملة لمسائل ترسيم الحدود وتقاسم ثروات الطاقة، استنادا إلى المصالح المشتركة وليس فقط عبر لغة التحالفات العسكرية.

خاتمة استشرافية: مستقبل الاستقرار في شرق المتوسط

في الختام، يُظهر تقارب أثينا وتل أبيب وتوقيع اتفاقية «درع أخيل» أن منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط تتجه بخطى حثيثة نحو مرحلة جديدة من إعادة صياغة التحالفات الأمنية. إن هذا المشهد المعقد لا يعكس فقط تضارب المصالح بين أنقرة من جهة، وأثينا وتل أبيب من جهة أخرى، بل يجسد أيضاً صراعاً أوسع على النفوذ والسيطرة في منطقة تحولت إلى نقطة ارتكاز مركزية في الأمن العالمي. ويبقى الرهان الحقيقي معقوداً على مدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء هذه التوترات عبر الحوار وقواعد القانون الدولي، لتجنب تحول المنطقة إلى بؤرة صراع مفتوحة لا تنتهي.

د
💡 اقرأ أيضاً للكاتب د. عبد العزيز الخالدي
لماذا تتنافس القوى العظمى على أرض متجمدة؟ وما علاقة ذلك بأسعار البنزين؟
قراءة المقال
إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

شارك الخبر:
إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار