في مشهد مشحون بالتطورات الميدانية والسياسية المتسارعة، نجحت المؤسسة العسكرية الليبية في تسجيل اختراق استثنائي وغير مسبوق عبر التوصل إلى اتفاق عمل مشترك في مدينة سرت الاستراتيجية. هذا التطور البارز، الذي قاده رؤساء الأركان النوعية للقوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي في المنطقتين الشرقية والغربية، يمثل محطة مفصلية في مسار توحيد المؤسسة العسكرية التي عانت لعقد كامل من الانقسام الحاد والتشظي المؤسسي. ويأتي هذا الاتفاق العسكري ليغرد خارج السرب السياسي المأزوم، ليثبت أن المؤسسات الأمنية والعسكرية قد تكون أحياناً أقدر على استشعار المخاطر وتجاوز الخلافات متى ما توفرت الإرادة الوطنية الخالصة بعيداً عن ضغوطات المحاصصة والتدخلات الخارجية.
خلفيات الانقسام العسكري وجذور الأزمة في ليبيا
يعود الانقسام العسكري في ليبيا إلى أحداث عام 2014 وما تلاها من صراعات مسلحة أسفرت عن شق صف المؤسسة العسكرية إلى شطرين رئيسيين؛ الأول في الشرق الليبي تحت قيادة الجيش الوطني الليبي، والثاني في الغرب تحت مظلة تشكيلات تابعة لوزارة الدفاع في حكومات طرابلس المتعاقبة. لقد شكل هذا الانقسام طوال السنوات الماضية الجدار الصلب الذي تحطمت عليه كافة المبادرات السياسية والدولية الرامية لإعادة بناء الدولة. ورغم تشكيل لجنة العسكرية المشتركة (5+5) برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والتي حققت نجاحات ملحوظة في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2020، إلا أن توحيد الأركان النوعية ظلت هي العقدة الأضعب والأكثر تعقيداً نظراً لارتباطها المباشر بالسيطرة على مقدرات التسليح والجاهزية القتالية والتوزيع الجغرافي للقطاعات الاستراتيجية.
سرّ التوقيت والمكان: لماذا مدينة سرت تحديداً؟
لم يأتِ اختيار مدينة سرت لاحتضان هذا الاجتماع التاريخي وليد الصدفة، بل حمل دلالات رمزية وجيوسياسية عميقة. فقطب الرحى في ليبيا وسرت تحديداً تمثل نقطة الوصل والتقاء بين الشرق والغرب والجنوب، كما أنها المدينة التي شهدت توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الدائم قبل سنوات. إن نجاح القيادات العسكرية النوعية (الجوية، البحرية، والدفاع الجوي) في الجلوس على طاولة واحدة وصياغة برنامج عمل عملي يعكس رغبة حقيقية في ترسيخ مخرجات لجنة (5+5)، والذهاب أبعد من مجرد التهدئة الميدانية إلى بناء آليات دمج وتنسيق فعلي تحصن الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية الليبية ضد أي اختراقات أو تهديدات أمنية متصاعدة في الإقليم الأفريقي والم المتوسطي.
تفاصيل اتفاق سرت: آليات التنسيق المشترك وبرنامج العمل
تضمن الاتفاق المنبثق عن اجتماعات سرت حزمة من الخطوات التنفيذية والعملياتية التي تستهدف ردم الهوة بين المنطقتين العسكريتين الشرقية والغربية. ومن أبرز البنود التي جرى تداولها ضمن الكواليس الرسمية:
- وضع آليات تنسيق فعلية ومباشرة بين غرف العمليات الجوية في مختلف الأقاليم الليبية لمراقبة وحماية المجال الجوي الموحد.
- تفعيل التعاون بين القواعد البحرية لضمان تأمين السواحل الليبية الممتدة على طول البحر الأبيض المتوسط، ومكافحة الهجرة غير النظامية وعمليات التهريب.
- إعادة هيكلة وتطوير منظومات الدفاع الجوي لضمان حماية السيادة الوطنية والتصدي لأي أطماع أو تهديدات خارجية محتملة.
- تشكيل فرق عمل فنية مشتركة من الخبراء العسكريين لتقييم الأضرار وتبادل الخبرات وتوحيد المناهج التدريبية العسكرية.
- تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في سرت كمناطق منزوعة السلاح ومنطقة عازلة ونموذج أولي لانتشار القوات المشتركة.
التناقض بين الجمود السياسي والحراك العسكري
يبرز الاتفاق العسكري في سرت تناقضاً صارخاً وحاداً مع حالة التعثر السياسي المزمن الذي تعيشه البلاد. فالأجسام السياسية القائمة (مجلس النواب، المجلس الأعلى للدولة، وحكومات الانقسام التنفيذي) لا تزال تراوح مكانها، عاجزة عن التوافق على قاعدة قانونية ودستورية ناظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية المؤجلة. هذا الجمود السياسي جعل الشارع الليبي يفقد الثقة في الطبقة السياسية التقليدية، في المقابل، يرى المواطن الليبي والمراقبون الدوليون في هذا التقارب العسكري بصيغة أمل حقيقية لفرض أمر واقع إيجابي يعزل المؤسسة العسكرية عن المناكفات الحزبية والشخصية، ويضمن عدم زج الجيش في أتون الصراعات السياسية مرة أخرى.
التحديات والعقبات المستقبلية أمام دمج المؤسسة العسكرية
على الرغم من التفاؤل الحذر الذي خلفه اتفاق سرت، إلا أن طريق توحيد المؤسسة العسكرية بشكل كامل لا يزال مفروشاً بالأشواك والتحديات الجسيمة. من أبرز هذه التحديات:
- التدخلات الخارجية: وجود مصالح لدول إقليمية ودولية في المشهد العسكري الليبي قد يشكل عائقاً أمام استقلالية قرار التوحيد.
- ملف التشكيلات المسلحة: وجود جماعات مسلحة خارج هيكلية الجيش والشرطة في المنطقة الغربية، والتي يتطلب نزع سلاحها أو دمجها خططاً دقيقة ومعقدة.
- القيادة العليا: التحدي الأكبر يتمثل في التوافق على من يترأس المؤسسة العسكرية الموحدة والتبعية السياسية الدستورية لها.
- بناء الثقة: ترسيخ الثقة المتبادلة بعد سنوات من الاقتتال الداخلي والخطاب الإعلامي التحريضي يتطلب وقتاً وخطوات بناء ثقة ميدانية مكثفة.
خلاصة استشرافية: هل يمهد اتفاق سرت لمسار استقرار مستدام؟
في الختام، يمثل اتفاق سرت العسكري خطوة جريئة وشجاعة نحو استعادة سيادة الدولة ووحدة ترابها الوطني، ويثبت أن المؤسسة العسكرية الليبية قادرة على تجاوز الانقسامات حين تتغلب المصلحة العليا للوطن على الحسابات الضيقة. ورغم جسامة التحديات السياسية والعراقيل المؤسسية، فإن هذا التقارب قد يفرض إيقاعاً جديداً يجبر الساسة على اللحاق بالركب العسكري والقبول بتسوية شاملة تنقذ البلاد من شبح التقسيم والانهيار. إن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل أساسي على الدعم الإقليمي والدولي الصادق، والتزام القيادات العسكرية بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه ميدانياً، لتكون سرت مجددأ نقطة انطلاق ليبيا الجديدة نحو الأمن والاستقرار.