تظل الذاكرة الوطنية اليمنية محملة بالكثير من الجروح المفتوحة والأسئلة الحائرة حول مآلات المعركة الكبرى ضد مشروع جماعة الحوثي، ولعل سقوط مدينة المخا ومينائها الاستراتيجي على الساحل الغربي يمثل أحد أبرز المنعطفات الصادمة التي أثارت ولا تزال تثير الكثير من الجدل والتأويلات السياسية والعسكرية. وغالباً ما تتكئ الخطابات الشعبية والحزبية المتبادلة في تفسير هذه الهزائم على سهولة إطلاق تهم التخوين والتآمر الإقليمي، هروباً من مواجهة الحقيقة المرة المتمثلة في سوء الإدارة وضعف التخطيط وغياب الاحترافية العسكرية. وفي هذا السياق المعقد، جاءت القراءة المطولة والمثيرة للجدل التي قدمها الكاتب والباحث اليمني المعروف مروان الغفوري لتفكيك مشهد السقوط، محاولةً إعادة توجيه بوصلة النقاش نحو الأسباب الجذرية والبنيوية البحتة، بعيداً عن نظريات المؤامرة التي تحجب الرؤية وتمنع الاستفادة من الدروس القاسية.
فجوة الاستخبارات وحشد الـ 10 آلاف مقاتل.. حين تُعمى الأعين عن الحشد الكبير
في صلب قراءته التحليلية، يرى مروان الغفوري أن الخلل الحقيقي لم يبدأ يوم المعركة أو ساعات الهجوم الأولى، بل له جذور عميقة امتدت لتسبق الهجوم الأخير بوقت طويل. وقد أشار بوضوح تام إلى أن السقوط المروع لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة مباشرة لقصور فادح وفضيحة استخباراتية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فلم تتمكن المنظومة الاستخباراتية المرابطة هناك من رصد أو تقدير حجم التهديد الحقيقي المتمثل في حشد مليشيات الحوثي لنحو 10 آلاف مقاتل مدرب ومجهز في جبهة مقبنة المجاورة. وفي مفارقة عسكرية تعكس حجم الاستهتار وسوء التقدير، كان يقابل هذا الحشد البشري الهائل والموجّه نحو البوابة الاستراتيجية للمخا وجودٌ هزيل لا يتجاوز 100 مقاتل فقط لحماية تلك البوابة الحيوية. هذا التفاوت الميداني الفاضح أدى حتماً إلى انهيار صاعق وسريع في خطوط الدفاع الأولى، حيث تحولت الجبهة المفتوحة إلى لقمة سائغة لقوة هجومية منظمة لم تجد مقاومة تذكر، مما يطرح ألف علامة استفهام حول كفاءة جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليل التهديدات في مسرح العمليات العسكرية بالساحل الغربي.
التحديات الميدانية والانقسامات السياسية.. نزيف التمزق في جسد المقاومة
لم تتوقف قراءة الغفوري عند حدود الاختراق الاستخباراتي البحت، بل تجاوزته لتغوص في المستنقع السياسي والميداني الذي عانت منه جبهات القتال لسنوات طويلة. لقد بات واضحاً أن البيئة العسكرية كانت مخترقة بصراعات بينية وانقسامات حادة أضعفت كفاءة الردع، ويمكن تلخيص أبرز تلك التحديات والانقسامات في النقاط التالية:
- غياب التنسيق الفاعل والمرن بين مختلف التشكيلات القتالية كالمقاومة الوطنية وقوات العمالقة ومحور تعز، مما خلق فجوات ميدانية استغلها الخصم ببراعة فائقة لاختراق الصفوف.
- تأثر القوات المسلحة والمكونات الميدانية بالصراعات السياسية والإيديولوجية الضيقة، والتي طغت أحياناً كثيرة على الأهداف الوطنية الكبرى والمعركة الوجودية ضد المشروع الحوثي السلالي.
- ادخار مليشيات الحوثي لقدرات استراتيجية نوعية متقدمة، بما في ذلك طائرات مسيّرة وأسلحة ردع نوعية خصصتها لمعركة اعتبرتها مصيرية بكل المقاييس للوصول إلى البحر الأحمر والتحكم بالممر المائي الدولي.
- غياب القدرة التكتيكية والاستراتيجية على قراءة نوايا الخصم المبكرة، فضلاً عن الفشل في بناء دفاعات هندسية محصنة ومناعة قتالية قادرة على امتصاص الصدمات والهجمات المفاجئة.
سقوط المخا في سياق الجغرافيا السياسية.. لماذا يستميت الحوثيون على الساحل؟
لا يمكن فهم معركة المخا بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية الاستراتيجية التي تمثلها المدينة ومينائها التاريخي بالنسبة لجماعة الحوثي ولكل أطراف الصراع في اليمن وخارجه. فالمخا ليست مجرد رقعة جغرافية عادية، بل هي نافذة اليمن الغربية على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو الممر التجاري الدولي الذي تشرف منه الجماعات والدول على خطوط الملاحة العالمية. وحين أقدم الحوثيون على حشد تلك الأعداد الهائلة، فإنهم كانوا يدركون تمام الإدراك أن السيطرة على المخا تمنحهم ورقة تفاوضية كبرى، وتكسر الحصار المفروض عليهم جزئياً، وتؤمن لهم خطوط إمداد بحرية ومكاسب عسكرية وسياسية ضخمة. من هنا، جاء الهجوم محكوماً بإستراتيجية النفس الطويل واستخدام القوة المفرطة والتركيز المكثف على نقطة الضعف الرخوة في خط دفاعات الشرعية والمقاومة، متجاوزين كل الرهان على الأداء التقليدي والمعارك الكلاسيكية التي أثبتت عجزها أمام جماعة تعتمد على عقيدة قتالية تعبوية متطرفة ومستعدة لدفع أثمان بشرية هائلة في سبيل تحقيق أهدافها التوسعية.
ماذا تعني هذه القراءة لمستقبل المعركة؟ رؤية استشرافية لاستعادة الوعي والمبادرة
في خاتمة تحليله العميق، شدد الكاتب مروان الغفوري على حقيقة بالغة الأهمية مفادها أن ما جرى في المخا، رغم قسوته ومرارة نتائجه، لا يعني بحال من الأحوال نهاية المعركة المصيرية ضد المشروع الحوثي، ولا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإحباط واليأس الشامل. بل على العكس تماماً، تُعد هذه القراءة دعوة شجاعة وجريئة لضرورة إعادة تقييم شاملة ودقيقة لإدارة الجبهات العسكرية، والاستفادة القاسية من أخطاء الماضي التي كلفت الوطن الكثير من الدماء والفرص الضائعة. إن استعادة مؤسسات الدولة وهزيمة الانقلاب لا يمكن أن تتحققا بالشعارات البراقة أو بتعليق الفشل على شماعة الآخرين، بل تتطلبان عملاً مؤسسياً صارماً، وشفافية مطلقة في كشف الخلل، وإعادة ترتيب الصفوف العسكرية والسياسية، وتوحيد البندقية تحت قيادة إستراتيجية واحدة تمتلك الرؤية والكفاءة والجاهزية الكاملة لمواجهة خصم لا يرحم الأخطاء. إنها دعوة لإيقاظ الضمير الوطني العسكري من سباته، وإعادة صياغة المعركة وفق شروط الاحتراف والوعي واليقظة الدائمة.