في خطوة تعكس تحولات جذرية في خريطة التحالفات الدولية، حطت طائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من طراز إيل-96 رحالها في القاعدة العسكرية الجوية «بالام» بالعاصمة الهندية نيودلهي. يأتي هذا الوصول الميداني وسط استقبال رسمي رفيع المستوى، ليعلن عن انطلاق واحدة من أهم الفعاليات الجيوسياسية والاقتصادية المعاصرة: قمة مجموعة «بريكس». هذه الزيارة لا تمثل مجرد مشاركة دبلوماسية روتينية، بل هي حدث استراتيجي حاسم يعيد صياغة قواعد اللعبة في النظام العالمي، في وقت تواجه فيه روسيا ضغوطاً غير مسبوقة وعقوبات غربية واسعة النطاق على خلفية الأزمة الأوكرانية، مما يجعل من التقارب الآسيوي شريان حياة وملاذاً استراتيجياً لا غنى عنه.
السياق الجيوسياسي: العالم على موعد مع نظام متعدد الأقطاب
تنعقد قمة نيودلهي في ظل مشهد دولي شديد التعقيد والتأزم، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، وتتآكل تدريجياً هيمنة القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب. تسعى دول مجموعة «بريكس» (التي تضم روسيا، الهند، الصين، البرازيل، وجنوب إفريقيا، إضافة إلى الأعضاء الجدد المنضمين مؤخراً) بخطى حثيثة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، لتشكل قطباً موازناً وفاعلاً حقيقياً في رسم السياسات الدولية. وتُعد هذه المحطة مفصلية للغاية لمناقشة ملفات مصيرية، على رأسها توسيع نطاق العضوية لضم دول إضافية من «الجنوب العالمي»، وتطوير آليات مالية ومصرفية مستقلة عن النظام المالي الغربي المهيمن.
أجندة القمة: كسر هيمنة الدولار وتعزيز التبادل بالعملات الوطنية
تتصدر الأجندة الاقتصادية للقمة في نيودلهي نقاشات تقنية وسياسية بالغة الأهمية، ترتكز أساساً على تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المبادلات التجارية البينية، والتوجه نحو التسوية المالية باستخدام العملات الوطنية للدول الأعضاء. تسعى موسكو، المدعومة من بكين ونيودلهي، إلى بناء جسور تجارية ومالية آمنة تحصن اقتصادات الدول الناشئة ضد الهزات والصدمات الخارجية والعقوبات الأحادية الجانب. وفي هذا السياق، تشمل الملفات المطروحة على الطاولة:
- تفعيل آليات الدفع المتبادل بالعملات المحلية للحد من الهيمنة النقدية الغربية.
- تطوير بنية تحتية مالية بديلة لنظام «سويفت» العالمي لتسهيل المعاملات العابرة للحدود.
- تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة الاستراتيجية، كالنفط والغاز والفحم، بأسعار تفضيلية وعقود طويلة الأجل.
- توسيع دور بنك التنمية الجديد التابع لـ «بريكس» لتمويل مشاريع البنية التحتية المستدامة في الدول النامية.
العلاقات الروسية - الهندية: استراتيجية الصداقة وسط ضغوط واشنطن
تحمل زيارة بوتين إلى الهند أبعاداً ثنائية عميقة، إذ تحرص نيودلهي على الحفاظ على توازن دقيق ومحسوب في علاقاتها الخارجية؛ فمن جهة تُعد روسيا مورداً تاريخياً وأساسياً للطاقة والتسليح العسكري المتقدم للهند، ومن جهة أخرى تسعى الهند لتعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع الغرب والولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الصيني الآسيوي. إن حضور بوتين الشخصي ولقاءاته الثنائية المكثفة مع القيادة الهندية يبعثان برسالة واضحة مفادها أن الشراكة الاستراتيجية المميزة بين موسكو ونيودلهي قادرة على صيانة مصالحهما المشتركة بغض النظر عن الضغوط والاملاءات الغربية، مما يعزز الاستقرار الداخلي للتكتل.
الأبعاد الأمنية والسياسية: تحديات إقليمية ومخاوف مشتركة
إلى جانب الملفات الاقتصادية، لا غنى عن التطرق للتحديات الأمنية والسياسية الراهنة التي تهدد استقرار دول التكتل والعالم بأسره. تواجه دول «بريكس» ضغوطاً متزايدة تتعلق بالأمن السيبراني، سلاسل الإمداد العالمية، أزمات الغذاء والطاقة، فضلاً عن النزاعات الإقليمية المستمرة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. تهدف المشاورات المغلقة في نيودلهي إلى صياغة مواقف سياسية موحدة أو متقاربة تجاه هذه الأزمات، تعبر بصدق عن أصوات دول الجنوب العالمي التي غالباً ما تُهمل مصالحها في المحافل الدولية التقليدية مثل مجلس الأمن الدولي.
ماذا يعني ذلك لمستقبل النظام العالمي؟
يعكس الحضور الشخصي للرئيس فلاديمير بوتين إلى العاصمة الهندية مدى الأهمية الاستراتيجية القصوى التي توليها موسكو لتجمع «بريكس». تسعى روسيا من خلال هذه القمة إلى إثبات فشل سياسة العزلة الغربية المفروضة عليها، وتوطيد أواصر التعاون العميق مع القوى الآسيوية الكبرى. إن نجاح هذه القمة في اتخاذ خطوات عملية وجريئة سيضع تجمع «بريكس» أمام اختبار حقيقي لمدى تماسكه وقدرته الفعلية على إحداث تغيير جذري في هندسة النظام العالمي الجديد، وتحويل الطموحات الاقتصادية إلى واقع ملموس يعيد رسم خريطة النفوذ والثروة في القرن الحادي والعشرين.