في خطوة تحمل دلالات جيوسياسية بالغة التعقيد، اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، التي تُعد «عين إسرائيل» على المشرق العربي، ليوجه رسالة نارية غير مسبوقة إلى طهران. لم تكن الزيارة مجرد تفقد ميداني روتيني للقوات المرابطة في المنطقة الشمالية، بل كانت منصة إطلاق لاستراتيجية إسرائيلية جديدة تتجاوز حدود «الاحتواء» لتصل إلى «الإسقاط»، حيث أعلن نتنياهو بوضوح أن إسرائيل تقترب من تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في إسقاط النظام الإيراني وتفكيك شبكة حلفائه الإقليميين، فيما يُعرف بـ «محور المقاومة».
جبل الشيخ: منصة الرصد والرسائل الاستراتيجية
يُعتبر جبل الشيخ (جبل حرمون) أكثر من مجرد معلم جغرافي؛ فهو يمثل «الرادار الاستراتيجي» الأهم في المنطقة. بقممه الشاهقة التي تطل على مساحات شاسعة من سوريا ولبنان، يمنح هذا الموقع الجيش الإسرائيلي قدرة فائقة على الرصد الإلكتروني والتنصت وتوجيه العمليات الجوية والبرية. إن اختيار نتنياهو لهذا الموقع تحديداً لإطلاق تهديداته ليس وليد الصدفة، بل هو رسالة رمزية مفادها أن «العمق الاستراتيجي» للخصوم بات تحت مجهر الرصد الإسرائيلي الدائم، وأن أي تحرك إقليمي لن يمر دون استجابة عسكرية فورية.
تفكيك «محور المقاومة»: من الدفاع إلى الهجوم
تُشير تصريحات نتنياهو إلى تحول جذري في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فبعد سنوات من سياسة «المعركة بين الحروب» التي ركزت على ضرب شحنات الأسلحة ومنع التموضع الإيراني، انتقلت تل أبيب إلى خطاب أكثر عدوانية يهدف إلى تفكيك شبكة حلفاء إيران. يرى المحللون العسكريون أن هذا التصعيد يأتي في سياق محاولة إسرائيلية لاستغلال حالة «الإنهاك» التي تعاني منها الأذرع الإيرانية في المنطقة، خاصة بعد الضربات المتلاحقة التي طالت قيادات الصف الأول في حزب الله والحرس الثوري الإيراني. إن الهدف المعلن هنا هو تحويل التهديد الإيراني من «خطر وجودي» إلى «مشروع متهالك» يفتقر إلى القدرة على التنسيق الميداني.
السيناريوهات المحتملة للتصعيد الإقليمي
تضع هذه التصريحات المنطقة على حافة صفيح ساخن، حيث تتعدد السيناريوهات المتوقعة في المرحلة المقبلة:
- تصعيد العمليات الاستخباراتية: تكثيف عمليات الاغتيال النوعي للقيادات العسكرية الإيرانية وحلفائها في دمشق وبيروت.
- حرب سيبرانية شاملة: استهداف البنية التحتية الحيوية للنظام الإيراني لتعطيل قدراته على التنسيق مع وكلائه.
- توسيع نطاق الاشتباك: احتمالية تحول الجبهة الشمالية من مناوشات حدودية إلى مواجهة واسعة النطاق تشمل ضربات مباشرة في العمق السوري واللبناني.
- الضغط الدبلوماسي الدولي: محاولة إسرائيلية لدفع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لتبني استراتيجية أكثر صرامة تجاه البرنامج النووي الإيراني.
تداعيات الخطاب على الجبهة الداخلية الإسرائيلية
على الرغم من النبرة الواثقة لنتنياهو، يواجه الداخل الإسرائيلي تحديات كبيرة. فالحديث عن «إسقاط النظام الإيراني» يرفع سقف التوقعات لدى الجمهور الإسرائيلي، مما يضع حكومة نتنياهو تحت ضغط هائل لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض. يرى مراقبون أن هذا التصعيد قد يكون أيضاً محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية الممزقة سياسياً عبر خلق «عدو خارجي» يجمع الإسرائيليين حول القيادة العسكرية، وهو تكتيك سياسي كلاسيكي يُستخدم في أوقات الأزمات الوجودية.
قراءة في الرد الإيراني المرتقب
في المقابل، تدرك طهران أن هذه التصريحات ليست مجرد «حرب نفسية»، بل هي انعكاس لتغير موازين القوى. ومع ذلك، فإن النظام الإيراني يمتلك خيارات للرد، تتراوح بين تفعيل وكلائه في العراق واليمن لفتح جبهات إشغال جديدة، وبين التهديد بالرد المباشر عبر الصواريخ الباليستية. إن التوازن الهش في المنطقة بات يعتمد على «حسابات الربح والخسارة» لكل طرف، حيث يخشى الجميع من الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد لا تقتصر تداعياتها على الشرق الأوسط فحسب، بل قد تمتد لتشمل أمن الطاقة العالمي وطرق الملاحة الدولية.
خاتمة: مستقبل المواجهة في ظل «الاستراتيجية الهجومية»
إن إعلان نتنياهو من قمة جبل الشيخ يمثل نقطة تحول في الصراع الإسرائيلي-الإيراني، حيث انتقلت المواجهة من الظل إلى العلن. وبينما تراهن إسرائيل على «تفكيك المحور» كحل نهائي لأمنها، تظل المخاطر المرتبطة بهذا المسار عالية جداً. إن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا التصعيد مجرد «استعراض قوة» سياسي، أم أنه بداية لعملية عسكرية كبرى ستعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الثابتة أن المنطقة دخلت مرحلة «كسر العظم»، حيث لن يكون هناك مجال للتراجع أو العودة إلى قواعد الاشتباك القديمة.