الرئيسية اقتصاد اقتصاد وأعمال القطاع الزراعي في غزة موسم الجوافة في غزة: قفزة تاريخية بالأسعار ودمار يهدد الأمن الغذائي

موسم الجوافة في غزة: قفزة تاريخية بالأسعار ودمار يهدد الأمن الغذائي

11 سبتمبر 2026
09:08 م
موسم الجوافة في غزة: قفزة تاريخية بالأسعار ودمار يهدد الأمن الغذائي

يشهد قطاع غزة في هذه المرحلة الفارقة من تاريخه الإنساني والاقتصادي أزمة غير مسبوقة تضرب جذور الأمن الغذائي والمعيشي للسكان، وتتجلى هذه الأزمة بأبشع صورها في انهيار القطاع الزراعي الذي طالما مثّل شريان الحياة الرئيسي للقطاع. وفي قلب هذه المأساة، يأتي موسم الجوافة في غزة ليعكس حجم الكارثة الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث سجلت أسعار هذه الفاكهة الموسمية المحبوبة قفزة تاريخية وصاروخية بلغت نحو سبعة أضعاف مستوياتها الطبيعية والمعتادة. هذا الارتفاع الجنوني لم يكن وليد صدفة تجارية أو احتكار عابر، بل هو نتيجة مباشرة وحتمية لتدمير واسع النطاق طال المساحات الزراعية وانحسارها بشكل دراماتيكي أدى إلى شح شبه تام في المعروض المحلي مقابل تصاعد الطلب، وسط ظروف قاسية يعيشها المزارعون الذين يصارعون من أجل البقاء وحماية ما تبقى من أرزاقهم.

تراجع المساحات الزراعية: قصة المزارع علاء أبو حسون ونكبة "المواصي"

تُعد منطقة مواصي خان يونس على امتدادها الساحلي الخصب السلة الغذائية الاستراتيجية والعمق الزراعي الأبرز لقطاع غزة، واشتهرت تاريخياً بإنتاج أجود أنواع الخضروات والفواكه، وتحديداً موسم الجوافة التي تتميز برائحتها النفاذة وجودتها العالية التي تنافس الأسواق الإقليمية. غير أن الواقع الميداني الحالي فرض معادلة قاسية ومأساوية على المزارعين المحليين. وفي قصة تجسد بوضوح حجم المعاناة اليومية والبطولة الصامتة التي يخوضها أهالي غزة، وجد المزارع الغزي علاء أبو حسون نفسه عاجزاً عن حماية محصوله كاملاً والاعتناء بأرضه بالطرق التقليدية المعهودة.

لقد كانت مزرعة أبو حسون تمتد في السابق على مساحة شاسعة تبلغ 200 دونم من الأراضي الخضراء المثمرة، وتتحول خلال مواسم الحصاد إلى خلية نحل تعج بالحركة والإنتاج الوفير الذي يغذي الأسواق المحلية بأسعار في متناول الجميع. إلا أن الظروف القاسية الحالية والعمليات العسكرية المستمرة أدت إلى تقليص هذه المساحة الحيوية بشكل قسري لتقتصر فقط على 50 دونماً يغامر المزارع بحياته من أجل الوصول إليها وقطف ما أمكنه من ثمار رغم المخاطر الجمة وشح الإمكانيات الأساسية للري والتسميد والعناية الزراعية.

أسباب انهيار الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار سبعة أضعاف

إن قفزة الأسعار التي لامست سبعة أضعاف السعر الأصلي لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لعدة عوامل اقتصادية ولوجستية وميدانية معقدة تضافرت لتخنق القطاع الزراعي برمته. ويمكن إجمال أبرز الأسباب والدوافع التي أدت إلى هذا الوضع الكارثي فيما يلي:

  • التجريف والتدمير الواسع: تعرضت آلاف الدونمات الزراعية في مناطق الإنتاج الرئيسية للتجريف والاحتراق، مما أخرجها من الخدمة تماماً وحرم السوق المحلي من آلاف الأطنان من المحاصيل.
  • فقدان المدخلات الزراعية: انعدام توفر الأسمدة، والمبيدات الآمنة، وقطع غيار الآبار الزراعية، وشح الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه وسقيا الأشجار.
  • مخاطر النقل والحصاد: عجز المزارعين عن الوصول المنتظم إلى أراضيهم بسبب المخاطر الأمنية، فضلاً عن الارتفاع الجنوني في أجور النقل وتكلفة جلب العمالة الموسمية في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
  • تراجع الإنتاج الكلي: الانخفاض الحاد في حجم الإنتاج الإجمالي لموسم الجوافة، حيث تحول العرض إلى ندرة حقيقية مقابل استمرار الطلب الاستهلاكي، مما دفع الأسعار نحو مستويات فلكية تعجز الأسر المتوسطة والبسيطة عن تحملها.

تداعيات أزمة الجوافة على الأمن الغذائي والاقتصادي في غزة

إن تراجع محصول استراتيجي مثل الجوافة وارتفاع سعره إلى أضعاف مضاعفة لا يمثلان مجرد خسارة مالية للمزارع علاء أبو حسون أو زملائه فحسب، بل يُعد مؤشراً خطيراً على تفاقم أزمة الأمن الغذائي في قطاع غزة. فعلى مدار السنوات السابقة، كانت الفواكه الموسمية المحلية مصدراً أساسياً للفيتامينات والغذاء الصحي بأسعار شعبية مدعومة من وفرة الإنتاج المحلي. أما اليوم، فقد تحولت هذه الفاكهة إلى "سلعة فاخرة" أو شبه منعدمة الوجود على موائد الغزيين، مما يعمق حالة سوء التغذية ويحرم الأطفال والعائلات من العناصر الغذائية الضرורية.

علاوة على ذلك، يواجه قطاع العمالة الزراعية كارثة محققة؛ فآلاف العمال والمزارعين والعائلات التي تعتاش بشكل مباشر أو غير مباشر على موسم الحصاد والتعبئة والتسويق وجدوا أنفسهم بلا مصادر دخل، مما رفع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية جديدة وغير مسبوقة في تاريخ القطاع الحديث.

سيناريوهات المستقبل والحلول المطلوبة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

إن استمرار هذا الوضع الكارثي ينذر بانهيار شبه كامل لما تبقى من مقومات الحياة الزراعية والاقتصادية في قطاع غزة، وهو ما يتطلب تدخلاً عاجلاً وجاداً من المؤسسات الدولية المعنية بالشأن الإنساني والزراعي، ومنظمات حقوق الإنسان، والهيئات الإغاثية المحلية والدولية. يتوجب توفير الحماية العاجلة للأراضي الزراعية المتبقية في مواصي خان يونس وغيرها من المناطق، ودعم المزارعين بالدعم المالي المباشر، وتوفير مستلزمات الإنتاج الطارئة مثل البذور، والأسمدة، ومصادر الطاقة البديلة كالطاقة الشمسية لتشغيل الآبار الارتوازية.

في الختام، يظل صمود المزارع الغزي أمثال علاء أبو حسون في وجه آدمية الدمار والخراب رسالة صمود وبقاء لا تنكسر؛ فهم يحرسون الأرض وأشجارها بدموعهم وعرقهم رغم قسوة الظروف. إن حماية القطاع الزراعي في غزة ليست رفاهية اقتصادية، بل هي واجب إنساني ملح لضمان الحد الأدنى من بقاء السكان وحفظ كرامتهم الغذائية في مواجهة إحدى أشد الأزمات قسوة في العصر الحديث.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
تونس تفتح أبواب آسيا: كيف يحوّل شارة «حلال» التمور لمستحضرات تجميل؟
اقتصاد

تونس تفتح أبواب آسيا: كيف يحوّل شارة «حلال» التمور لمستحضرات تجميل؟

تستعد تونس لاختراق الأسواق الآسيوية الضخمة عبر تحويل شارة «حلال» إلى أداة تصديرية استراتيجية تشمل التمور الفاخرة ومستحضرات التجميل المبتكرة، متجاوزة الاعتماد التقليدي على أوروبا.

م. طارق المهيدب منذ 4 ساعات