تشهد الأزمة اليمنية برمتها، في الراهن السياسي الراهن، تحولات جذرية ولافتة في خارطة الدعم الإقليمي والدولي، على وقع مواقف سياسية معقدة ترسم ملامح جديدة وغير مسبوقة للصراع المستمر منذ عقد تقريباً. وتتداخل الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى والإقليمية بشكل معقد في تحديد مصير المعارك العسكرية والتسويات السياسية، وسط تساؤلات متزايدة من المحللين والمراقبين عن الأطراف الخفية والعلنية الداعمة لمختلف أطراف النزاع. ولم يعد المشهد اليمني مجرد صراع محلي على السلطة والنفوذ الجغرافي، بل تحول إلى ساحة لاختبار التوازنات الدولية الكبرى، وإعادة رسم خطوط التجارة الدولية، والأمن المائي والبحري في باب المندب والبحر الأحمر، مما يجعل من أي تحرك دبلوماسي أو عسكري حدثاً ذا ارتدادات واسعة النطاق على مستوى الشرق الأوسط بأسره.
خلفية المواقف الدولية والإقليمية: تباين الرؤى وتضارب المصالح
تتمحور التعقيدات الراهنة حول تباين واضح في الرؤى الاستراتيجية بين العواصم المؤثرة في الشأن اليمني. فمن جهة، تبرز مواقف أمريكية مثيرة للجدل تجاه ملف جماعة الحوثي، تتأرجح بين الرغبة في تأمين خطوط الملاحة الدولية ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، وبين تداعيات عدم الحسم العسكري. بالتوازي مع ذلك، تتحرك الدبلوماسية الإقليمية والدولية في اتجاهات متعددة تؤشر إلى إعادة تموضع استراتيجي للقوى الفاعلة. وتاريخياً، ظلت السياسة الأمريكية في اليمن محكومة بهاجس مكافحة الإرهاب وضمان أمن حلفائها التقليديين، غير أن الإدارات المتعاقبة -لا سيما إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب في فترات حكمه السابقة واللاحقة- قدمت مقاربات م,ثيرة للجدل تتسم أحياناً بالبراغماتية المفرطة وأحياناً أخرى بالانسحاب أو التردد في خوض مواجهات عسكرية مباشرة ومفتوحة، مما فتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ وتوسيع نفوذها العسكري والسياسي.
موقف ترامب المثير للجدل: براغماتية السياسة أم حسابات الربح والخسارة؟
يثير تعاطي الإدارة الأمريكية، وتحديداً الشخصيات المحسوبة على توجهات دونالد ترامب، مع الملف اليمني الكثير من النقاشات والتحليلات السياسية العميقة. ترتكز الرؤية المرتبطة بهذا الخط السياسي على تقليص التورط العسكري المباشر للولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط التي لا تقدم عائداً اقتصادياً مباشراً أو استراتيجياً سريعاً للواشنطن. وفي هذا السياق، يبرز رفض أمريكي معلن لخيارات التصعيد العسكري الواسع والمباشر ضد الحوثيين كخيار استراتيجي مفضل، مع تفضيل الاعتماد على العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، وتفويض الحلفاء الإقليميين بإدارة المعارك الميدانية. هذا الموقف المثير للجدل يرى فيه البعض محاولة لتجنب استنزاف القدرات الأمريكية في صراعات غير حاسمة، بينما يعتبره آخرون ضوءاً أخضر غير مباشر لتثبيت وقائع ميدانية جديدة على الأرض تعقّد من فرص استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، وتخلق واقعاً أمنياً هشا يهدد التجارة العالمية وممرات الملاحة الاستراتيجية.
دور باكستان المرتقب: هندسة تفاهمات جديدة في الأمن الإقليمي
على خط متصل، يبرز دور باكستاني متنامٍ وغير تقليدي في هندسة تفاهمات إقليمية جديدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي وتحالفات المنطقة. تتمتع إسلام آباد بخبرة عسكرية واسعة وعلاقات تاريخية واستراتيجية متوازنة مع مختلف العواصم الإقليمية المؤثرة في الملف اليمني، وخاصة دول الخليج العربي. وتأتي التحركات الباكستانية في سياق محاولات خلق مظلة أمنية إقليمية قادرة على احتواء التهديدات المتصاعدة في الممرات المائية الحيوية. وعلى الرغم من حرص المؤسسة العسكرية والسياسية في باكستان على تجنب التورط المباشر في الحروب البرية المعقدة -مستفيدة من درس قرار برلمانها التاريخي بشأن حرب اليمن في بدايتها- إلا أن دورها الاستشاري، والدبلوماسي، والأمني, بات عنصراً فاعلاً في صياغة أي تفاهمات مستقبلية محتملة تجمع بين الفرقاء الإقليميين، وتهدف إلى ضبط إيقاع الصراع ومنع خروجه عن السيطرة الدولية.
أبرز التداعيات والديناميكيات: صراع النفوذ وخريطة التحالفات
تتجلى ملامح هذه الخريطة الجديدة عبر مجموعة من الديناميكيات المتشابكة التي تحكم مسار الأزمة اليمنية في مرحلتها الراهنة:
- رفض التصعيد المباشر: استمرار التردد الغربي والأمريكي في تبني استراتيجية عسكرية حاسمة ومباشرة ضد الحوثيين، والاكتفاء بالردود الموضعية، مما يخلق حالة من الجمود الميداني.
- الدور الباكستاني الدبلوماسي: تحرك إسلام آباد كقناة خلفية ووسيط موثوق لتقريب وجهات النظر الإقليمية وتخفيف حدة التوتر بين الرياض وطهران وعواصم القرار الدولية.
- صراع النفوذ والتمويل: احتدام الصراع الخفي والعلني على النفوذ السياسي والاقتصادي والتمويل بين مختلف الفاعلين والمكونات المحلية والإقليمية في الساحة اليمنية المتقلبة.
- انعكاسات التحولات الجيوسياسية: التأثيرات المباشرة للصراعات الدولية الكبرى (كالملف النووي الإيراني، والحرب في أوكرانيا، والتنافس الصيني الأمريكي) على عرقلة مسار التسوية السياسية اليمنية المتعثرة وتهميشها لصالح أجندات أكبر.
ماذا تعني هذه التحولات لمستقبل اليمن والمنطقة؟
تعني هذه التحولات الجذابة والمعقدة أن المشهد اليمني بات أسيراً لتوازنات دولية وإقليمية أوسع نطاقاً بكثير من مجرد أزمة محلية بين أطراف نزاع داخلي. هذا التشابك المعقد يصعّد إلى حد بعيد من فرص الحل السلمي القريب، ويزيد من عمق التشابكات بين المصالح الإقليمية والدولية على حساب الاستقرار المحلي ومعاناة المواطن اليمني. إن تداخل مواقف شخصيات بحجم دونالد ترامب وتوجهات السياسة الأمريكية البراغماتية، إلى جانب الحراك الدبلوماسي والأمني لباكستان وقوى إقليمية أخرى، يؤكد أن اليمن يدخل فصلاً جديداً من فصول الصراع بالوكالة وإعادة تقاسم النفوذ. وفي ظل غياب رؤية وطنية جامعة ومستقلة، يظل شبح التقسيم أو استمرار حالة "لا سلم ولا حرب" هو السيناريو الأرجح، مما يحتم على كافة الأطراف الفاعلة إدراك خطورة هذه الحسابات الضيقة والعودة إلى مسار الحوار اليمني الخالص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.