الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية الأمن في سنجار تحول أمني حاسم بسنجار: فصائل إيزيدية تتأهب لتسليم سلاحها لبغداد

تحول أمني حاسم بسنجار: فصائل إيزيدية تتأهب لتسليم سلاحها لبغداد

12 سبتمبر 2026
12:04 ص
تحول أمني حاسم بسنجار: فصائل إيزيدية تتأهب لتسليم سلاحها لبغداد

في خطوة استراتيجية بالغة الأهمية على الصعيدين الأمني والسياسي في العراق، أعلن رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، عن انطلاق مسار حاسم وحيوي يتمثل في تسليم أسلحة فصائل مقاومة جبل سنجار الإيزيدية إلى مؤسسات الدولة الرسمية. هذه الخطوة لا تمثل مجرد إجراء لوجستي عابر لتسليم العتاد والسلاح، بل تشكل تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الملف الأمني في واحدة من أكثر مناطق البلاد تعقيداً وحساسية، طالما كانت مسرحاً للتجاذبات الإقليمية والصراعات العسكرية والسياسية على مدار العقود الماضية. وتهدف الحكومة من وراء هذا التحرك إلى فرض السيادة الكاملة للدولة الاتحادية، وتوحيد القرار العسكري والأمني تحت مظلة المؤسسات الرسمية وحدها، بما ينهي حالة تعدد الولاءات والتشكيلات المسلحة خارج إطار القانون الدستوري.

الجذور التاريخية والجيوسياسية لمأساة جبل سنجار

لا يمكن فهم التحول الأمني الأخير في قضاء سنجار بمعزل عن خلفياته التاريخية والجيوسياسية العميقة. فشمال العراق، وتحديداً مناطق نفوذ المكون الإيزيدي، شهدت هزة إنسانية وأمنية غير مسبوقة عندما اجتاح تنظيم داعش الإرهابي المنطقة في صيف عام 2014، مقترفاً جرائم مروعة بحق السكان المحليين وسط عجز حاد في حماية المدنيين العزل من قبل المنظومة العسكرية الرسمية آنذاك. هذا الفراغ الأمني الهائل والخذلان التاريخي دفع بأبناء المكون الإيزيدي إلى التحرك الفوري لتنظيم صفوفهم الذاتية، فتأسست فصائل ومجاميع مسلحة تحت مسمى "مقاومة جبل سنجار" لحماية أعراضهم وأراضيهم ومعتقداتهم ومواجهة خطر الإبادة المحدق بهم بمعزل عن المؤسسات المركزية في بغداد. لقد تحولت سنجار منذ ذلك الحين إلى عقدة أمنية وسياسية تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ومحلية عديدة، مما جعل إعادة بسط سيطرة الدولة عليها أمراً بالغ الصعوبة ويحتاج إلى توازنات دقيقة وحكمة سياسية فائقة.

الأبعاد الاستراتيجية لمبادرة بغداد الأمنية

تأتي خطوة دمج وتسليم أسلحة الفصائل الإيزيدية في سياق استراتيجية أوسع تتبناها الحكومة العراقية الحالية لفرض مبدأ "حصر السلاح بيد الدولة"، وهو المبدأ الذي يعد الركيزة الأساسية لأي بناء حقيقي لدولة مؤسسات قوية ومستقرة. وتشمل هذه الأبعاد الاستراتيجية عدة نقاط جوهرية:

  • تأكيد السيادة الوطنية: إرسال رسالة واضحة للداخل والخارج بأن الحكومة الاتحادية وحدها هي المخولة بحماية أراضي البلاد وفرض النظام العام.
  • إنهاء الذرائع الإقليمية: حرمان الأطراف الإقليمية المتدخلة في الشأن العراقي من استخدام ذريعة حماية الأقليات أو محاربة الإرهاب كغطاء لتنفيذ أجندات عابرة للحدود على الأراضي العراقية.
  • إعادة هيكلة الأمن المحلي: دمج العناصر الراغبة من الفصائل المحلية ضمن تشكيلات الجيش العراقي أو الشرطة المحلية أو الحشد الشعبي، وفق ضوابط مهنية ومؤسساتية دقيقة تضمن ولاءهم المطلق للدولة.
  • تنفيذ اتفاقية سنجار: إعطاء دفعة قوية لتنفيذ الاتفاق المبرم سابقاً بين بغداد وأربيل بشأن تطبيع الأوضاع الإدارية والأمنية في القضاء وإخراج الفصائل غير النظامية.

التداعيات المتوقعة وانعكاساتها على الاستقرار المجتمعي

إن نجاح عملية تسليم السلاح وانخراط الفصائل الإيزيدية في المنظومة العسكرية الرسمية سينعكس بشكل إيجابي ومباشر على مجمل الأوضاع في قضاء سنجار والمناطق المحيطة بها. فعلى الصعيد الإنساني والمجتمعي، يمهد هذا الاستقرار الأمني الطارئ الطريق أمام مئات الآلاف من النازحين الإيزيديين القابعين في مخيمات إقليم كردستان للعودة الآمنة إلى ديارهم ومناطق سكناهم الأصلية، بعد سنوات طويلة من المعاناة الإنسانية في الخيام. كما أن توحيد القرار الأمني سيقضي على الصراعات الخفية والعلنية بين الفصائل المختلفة، ويزيل حالة التوتر والخوف المستمر التي عاشها السكان المحليون جراء تعدد مراكز القوة والنفوذ المسلح. ومن الناحية التنموية، ستتمكن الحكومة والمنظمات الدولية من الشروع الفعلي في مشاريع إعادة الإعمار، وتأهيل البنى التحتية المدمرة، وتفعيل عجلة الاقتصاد المحلي، مما يعيد الحياة تدريجياً إلى هذه المنطقة الحيوية.

السيناريوهات المستقبلية والدروس المستفادة

على الرغم من الأهمية الكبيرة لهذه الخطوة، إلا أن طريق التطبيع الشامل في سنجار لا يخلو من التحديات والعقبات المحتملة. فهناك مخاوف حقيقية تتعلق بمدى التزام كافة الفصائل بتسليم ترساناتها بشكل كامل ودون احتفاظ بأسلحة مخفية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالتدخلات الإقليمية التي قد تحاول إفشال أي تقارب بين بغداد وأربيل أو تقويض مساعي بسط نفوذ الدولة. لذلك، يتطلب التعامل مع هذه السيناريوهات درجة عالية من المرونة والحزم في آن واحد من قبل المؤسسات الأمنية والسياسية العراقية. إن الدرس الأهم المستفاد من تجربة سنجار المريرة هو أن أمن الأقليات والمكونات العراقية لا يمكن أن يُحفظ بشكل مستدام عبر الميليشيات أو التشكيلات المسلحة المعزولة، بل من خلال عقد اجتماعي وسياسي متين يضمن حمايتها ضمن منظومة دولة القانون والمؤسسات الدستورية العادلة.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
تونس تفتح أبواب آسيا: كيف يحوّل شارة «حلال» التمور لمستحضرات تجميل؟
اقتصاد

تونس تفتح أبواب آسيا: كيف يحوّل شارة «حلال» التمور لمستحضرات تجميل؟

تستعد تونس لاختراق الأسواق الآسيوية الضخمة عبر تحويل شارة «حلال» إلى أداة تصديرية استراتيجية تشمل التمور الفاخرة ومستحضرات التجميل المبتكرة، متجاوزة الاعتماد التقليدي على أوروبا.

م. طارق المهيدب منذ ساعة