تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جيو-اقتصادية غير مسبوقة، تضع سوريا في قلب صراع خفي يتعلق بمستقبل خطوط الإمداد وطرق التجارة الدولية. ففي وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى إعادة ربط الممرات البرية والبحرية وخطوط الطاقة، تبرز مساعٍ إسرائيلية مكثفة لعرقلة هذه التحولات، مستغلة هشاشة الوضع الأمني والسياسي القائم لفرض معادلات استراتيجية تمنع دمشق من استعادة دورها كحلقة وصل حيوية بين حوض المتوسط والخليج وآسيا. والسؤال المركزي: لماذا تتحرك إسرائيل الآن، وما الذي تخشاه من عودة سوريا إلى خرائط التجارة والطاقة؟
السياق الجيوسياسي: سوريا كحلقة وصل مفقودة
لطالما شكل الموقع الجغرافي السوري نقطة ارتكاز استراتيجية في خرائط التجارة العالمية. فسوريا تربط بين موانئ اللاذقية وطرطوس على المتوسط، وبين العراق والأردن وتركيا ولبنان، وتطل على طرق الإمداد التي تربط الخليج بأوروبا. وقد عرفت المنطقة تاريخياً مشاريع أنابيب نفط وغاز كبرى، مثل خط كركوك-حيفا القديم، وخط الغاز العربي، ومقترحات خط قطر-تركيا وخط إيران-العراق-سوريا، التي كانت جميعها تمر عبر الأراضي السورية أو تجاورها. غير أن سنوات الصراع الطويلة أدت إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية وشبكات النقل والطاقة، ما جعل الاقتصاد المحلي يعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات والواردات المحدودة، وحرمان البلاد من عوائد العبور والترانزيت.
ومع ذلك، فإن الجغرافيا لا تموت. فمع تحولات الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، وارتفاع تكاليف الشحن البحري، عادت فكرة الممرات البرية والسكك الحديدية عبر الشرق الأوسط إلى الواجهة. مشاريع مثل طريق التنمية العراقي، والممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، كلها تبحث عن مسارات بديلة أو مكملة. وسوريا، بحكم موقعها، تظل أحد أهم الروابط المفقودة في أي خريطة إقليمية متكاملة، سواء عبر معبر نصيب الحدودي مع الأردن، أو الطريق الدولي M5، أو خطوط السكك الحديدية المتوقفة بين دمشق وبغداد وعمّان.
لماذا الآن؟ دوافع إسرائيلية متشابكة
تتحرك إسرائيل في هذه المرحلة انطلاقاً من مجموعة دوافع استراتيجية متشابكة، أبرزها خشيتها من تحول سوريا إلى حلقة رئيسية في ما تسميه الجسر البري الإيراني الذي يربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت. فإعادة فتح طرق التجارة والطاقة عبر سوريا قد تعني، من وجهة النظر الإسرائيلية، تثبيت نفوذ خصومها الإقليميين، وتسهيل نقل الأسلحة والعتاد، وتعزيز قدرات حزب الله ووكلاء إيران في المنطقة. ولهذا تسعى تل أبيب إلى إحباط أي محاولات إقليمية أو دولية لدمج سوريا في شبكات التجارة الحديثة ومشاريع الطاقة العابرة للحدود.
الدافع الثاني يتعلق بالمكاسب الاقتصادية والجيوسياسية الإسرائيلية. فإسرائيل نفسها تسعى لأن تكون ممراً بديلاً للطاقة والتجارة بين الخليج وأوروبا، عبر ميناء حيفا ومشاريع الغاز في البحر المتوسط، وممرات برية مقترحة مع الأردن والإمارات والسعودية. وأي ممر سوري منافس قد يخفض جاذبية الممر الإسرائيلي، ويهدد مكانة تل أبيب كبوابة إقليمية. كما أن التحولات الدبلوماسية الأخيرة، وتطبيع العلاقات بين بعض عواصم المنطقة، زادت من مخاوف إسرائيل من نشوء تكتل اقتصادي يهمش دورها التجاري المستقبلي، أو يمنح دمشق شرعية إقليمية دون ثمن سياسي وأمني.
خرائط الطاقة والممرات: صراع الأنابيب والطرق
على مستوى الطاقة، تبرز عدة مشاريع محتملة يمكن أن تمر عبر سوريا أو تتقاطع معها. فخط الغاز العربي يصل مصر بالأردن ولبنان وسوريا، ويمكن تطويره ليشمل تصدير الغاز المصري أو الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا. وهناك مقترحات قديمة لإحياء خط قطر-تركيا عبر السعودية والأردن وسوريا، وهو مشروع لطالما عارضته دمشق وحلفاؤها في السابق، لكنه يعود الآن في نقاشات إقليمية. كما يظل خط إيران-العراق-سوريا إلى المتوسط خياراً استراتيجياً لطهران، رغم العقوبات والمخاطر الأمنية. وإلى جانب الأنابيب، توجد ممرات النقل البري والسكك الحديدية التي يمكن أن تختصر زمن الشحن بين آسيا وأوروبا، وتخفض تكاليف التجارة بنسب كبيرة.
في المقابل، تعمل إسرائيل على تعزيز بدائل لا تمر عبر سوريا، مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الذي يمر عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، ثم البحر المتوسط. وتعتبر تل أبيب أن أي مشروع يمنح سوريا دوراً محورياً سيقوض هذا التصور، ويمنح خصومها قدرة على التحكم في شرايين التجارة العالمية. ولهذا فإن الصراع على الممرات ليس صراعاً على أنابيب فحسب، بل على من يضع قواعد العبور والرسوم والمعايير الأمنية في المنطقة.
أدوات العرقلة: من الضربات إلى الضغط الدبلوماسي
تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية لعرقلة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي على أدوات متعددة. أولاً، الضربات العسكرية الاستباقية التي تستهدف مواقع يُقال إنها مرتبطة بنقل أسلحة أو ببنية تحتية حيوية، ما يعطل أي استقرار اقتصادي تدريجي. ثانياً، الضغط الدبلوماسي على الدول المانحة والمؤسسات الدولية لربط إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية صارمة، وإبقاء العقوبات الاقتصادية قائمة. ثالثاً، تقويض الثقة لدى شركات الشحن والتأمين الدولية، عبر إبقاء المخاطر الأمنية مرتفعة، ما يجعل أي استثمار في الموانئ أو الطرق أو الأنابيب السورية محفوفاً بالمخاطر.
- استهداف متكرر للمطارات والموانئ والطرق الدولية، ما يعطل القدرة اللوجستية السورية.
- منع نقل التكنولوجيا ومعدات الصيانة اللازمة لقطاع الطاقة.
- التحذير من التعامل مع أي مشاريع بنية تحتية قد تمنح إيران أو حلفاءها نفوذاً.
- تعزيز ممرات بديلة عبر إسرائيل والأردن والخليج لسحب البساط من دمشق.
- إبقاء ملف إعادة الإعمار رهينة لتسوية سياسية تلبي المخاوف الإسرائيلية.
التداعيات على سوريا والمنطقة
إن نجاح هذه العرقلة يعني استمرار حالة الشلل الاقتصادي التي تعاني منها سوريا، وحرمان ملايين السكان من فرص التعافي والتنمية عبر الاستفادة من موقعهم الجغرافي. فبدون ممرات تجارة وطاقة، تبقى عوائد الترانزيت معدومة، وترتفع تكاليف الاستيراد، ويستمر نقص الطاقة والوقود، ويتعمق الفقر والبطالة. وعلى الصعيد الإقليمي، يؤدي هذا الصراع إلى تجزئة أسواق الطاقة والنقل، ورفع كلفة التجارة بين الخليج وأوروبا، وتأخير أي تكامل اقتصادي شامل. كما أن الأردن والعراق ولبنان وتركيا، وهم دول جوار مباشر، يتحملون تبعات أمنية واقتصادية كبيرة نتيجة عدم استقرار الممرات السورية.
وعلى المدى الأبعد، يعكس هذا الصراع تحول المعارك من المواجهات العسكرية التقليدية إلى حروب النفوذ الاقتصادي والسيطرة على شرايين التجارة العالمية. فمن يتحكم في المعابر والأنابيب والموانئ يمتلك أدوات ضغط سياسية هائلة. ولهذا فإن استقرار الشرق الأوسط مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الأطراف المختلفة على حسم صراع الممرات لصالحها، أو التوصل إلى تسوية تضمن مصالح الجميع.
ردود الفعل والمواقف الإقليمية والدولية
تتباين مواقف الأطراف الإقليمية والدولية تجاه هذا الصراع. فدمشق وحلفاؤها يرون في العرقلة الإسرائيلية محاولة لخنق أي تعاف اقتصادي، ويراهنون على الدعم الروسي والإيراني والصيني لفتح ممرات بديلة. أما تركيا، فتسعى إلى تحويل أراضيها إلى ممر رئيسي للطاقة والتجارة، وقد لا تمانع في تعاون جزئي مع دمشق إذا خدم مصالحها. والسعودية والإمارات تفضلان ممرات مستقرة بعيدة عن المخاطر، لكنهما تدركان أن سوريا جزء من الحل إذا أرادت المنطقة تكاملاً حقيقياً. وواشنطن، رغم دعمها الأمني لإسرائيل، تبدي أحياناً مرونة تجاه مشاريع إقليمية تخدم مصالحها في مواجهة الصين وروسيا.
أما إسرائيل، فتراهن على أن استمرار الانقسام السوري والضعف الاقتصادي سيمنع أي تهديد استراتيجي. لكن هذا الرهان قد ينعكس سلباً إذا أدى الجمود إلى انفجار أمني جديد، أو إذا نجحت أطراف أخرى في بناء ممرات بديلة لا تمر بإسرائيل، مما يهمش دورها على المدى الطويل.
سيناريوهات المستقبل: هل تنجح العرقلة؟
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول: استمرار العرقلة الإسرائيلية والضغوط الدولية، ما يبقي سوريا خارج خرائط التجارة والطاقة، ويحولها إلى منطقة عازلة اقتصادية. السيناريو الثاني: تكامل جزئي عبر الأردن والعراق وتركيا، مع تجنب الممرات التي تثير حساسية إسرائيل، ما يمنح دمشق متنفساً محدوداً دون استعادة دورها الكامل. السيناريو الثالث: تسوية إقليمية كبرى تشمل ضمانات أمنية لإسرائيل، ورفعاً جزئياً للعقوبات، ومشاركة دولية في إعادة الإعمار، مقابل ترتيبات تمنع تحول سوريا إلى منصة تهديد. هذا السيناريو يبدو الأكثر استدامة، لكنه يحتاج إلى توافق أمريكي-روسي-إقليمي نادر.
في جميع الحالات، فإن عامل الوقت ليس في مصلحة الجمود. فكل عام يمر دون إعادة ربط سوريا بمحيطها يعني مزيداً من التآكل في البنية التحتية، ومزيداً من الاعتماد على المساعدات، ومزيداً من عدم الاستقرار الذي قد يمتد إلى الجوار. كما أن مشاريع الطاقة العالمية تتسارع، وإذا لم تجد سوريا مكانها فيها، فقد تبقى خارج الخريطة لعقود.
خلاصة استشرافية
إن الصراع على طرق التجارة والطاقة في سوريا ليس صراعاً هامشياً، بل هو جوهر إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فإسرائيل تدرك أن أي ممر يمر عبر دمشق قد يغير موازين القوى الاقتصادية والأمنية، ولهذا تعرقل الآن بكل الأدوات المتاحة. لكن العرقلة وحدها لا تصنع استقراراً. فالمطلوب هو إطار إقليمي شامل يضمن أمن إسرائيل، وسيادة سوريا، ومصالح دول الجوار، ويحوّل الجغرافيا السورية من ساحة صراع إلى جسر تعاون. وإلا فإن الجميع سيبقى خاسراً في حرب الممرات، وستظل المنطقة أسيرة لخرائط لم تكتمل، واقتصاديات لم تتعاف، وشعوب تنتظر فرصة تاريخية قد لا تتكرر.