في خطوة تحشيدية جديدة تعيد رسم خريطة الجيوسياسة الطاقية في القارة الأفريقية، كشف أليكسي ليخاتشوف، المدير العام لمؤسسة «روساتوم» (Rosatom) الحكومية الروسية للطاقة الذرية، عن تحولات جوهرية في الموقف الإثيوبي تجاه امتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية السلمية. يأتي هذا التصريح ليلقي الضوء على تسارع وتيرة المباحثات والمشاريع المشتركة بين أديس أبابا وموسكو، في وقت تسعى فيه الدولة الأكثر سكاناً في القرن الإفريقي لتأمين مستقبلها الاقتصادي والصناعي عبر استراتيجية جريئة وغير تقليدية تهدف إلى كسر قيود العجز الكهربائي المزمن وتلبية الطلب الهائل والمتسارع على الطاقة.
تشير التقارير الاستخباراتية والاقتصادية الواردة من أديس أبابا إلى أن الحكومة الإثيوبية لم تعد تكتفي بالاعتماد الكلاسيكي على مشاريع الطاقة الكهرومائية التقليدية، وعلى رأسها سد النهضة الإثيوبي الكبير، بل أدركت تماماً حدود هذه المصادر في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وموجات الجفاف الطويلة التي تضرب حوض النيل والقرن الإفريقي. ومن هنا، جاء التوجه الاستراتيجي نحو خيار الطاقة الذرية كحل جذري ومستدام يضمن استمرارية الإمدادات الكهربائية، ويدفع عجلة التنمية الوطنية الشاملة نحو أهدافها الكبرى المرصودة لعام 2030 وما بعده، وسط دعم تقني ومالي روسي غير مسبوق يعكس رغبة موسكو في توسيع نفوذها الاستراتيجي في القارة السمراء.
دوافع أديس أبابا: لماذا تتسابق إثيوبيا نحو حيازة التكنولوجيا النووية؟
تتجذر الأسباب التي تدفع إثيوبيا نحو خيار الطاقة النووية في حقيقة مؤلمة تواجهها البنية التحتية للبلاد؛ ألا وهي التذبذب الحاد في إنتاج الكهرباء من السدود المائية نتيجة التغيرات المناخية وتراجع معدلات هطول الأمطار الموسمية. ورغم أن إثيوبيا تمتلك إمكانات هيدروليكية هائلة، إلا أن الاعتماد المطلق عليها أثبت هشاشته أمام الأزمات المناخية المتكررة. ووفقاً للبيانات الرسمية لوزارة المياه والكهرباء الإثيوبية، فإن استراتيجية التنمية الوطنية تستهدف إضافة نحو 2,000 ميجاواط من القدرات التوليدية بحلول عام 2030، وهو رقم لا يمكن تحقيقه سوى بتنويع مصادر الطاقة وإدخال المفاعلات النووية النظيفة وذات الكفاءة العالية.
إلى جانب ذلك، تسعى أديس أبابا إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة وقاطرة اقتصادية رئيسية في شرق أفريقيا. إن تحقيق هذا الطموح يتطلب توفير طاقة رخيصة، مستقرة، ودائمة لقطاعات حيوية مثل التصنيع الثقيل، والتعدين، واستخراج الثروات المعدنية، فضلاً عن دعم قطاع الاتصالات والتحول الرقمي المتنامي. إن تبني البرنامج النووي يمثل طوق نجاة للاقتصاد الإثيوبي الذي يعاني من ضغوط تضخمية وعجز في الميزان التجاري بسبب فاتورة استورد الوقود الأحفوري ومشكلات انقطاع التيار الكهربائي المتكررة التي تكبد الشركات والمصانع خسائر فادحة.
الشراكة الاستراتيجية مع روساتوم: تفاصيل الاتفاقية وبرامج التنفيذ
شهدت العلاقات الثنائية بين موسكو وأديس أبابا نقلة نوعية كبرى في عام 2024، حين توجت المباحثات المستمرة بتوقيع مذكرة تفاهم رسمية وشاملة بين وزارة الطاقة الإثيوبية ومؤسسة «روساتوم» الروسية العملاقة. وقد أوضح أليكسي ليخاتشوف في بيانه الأخير أن هذه المذكرة ليست مجرد اتفاق على ورق، بل هي خطة عمل هندسية وتقنية متكاملة تتضمن محاور أساسية عدة، أبرزها:
- نقل التكنولوجيا النووية المتقدمة إلى الكوادر الإثيوبية وفقاً لأدق معايير الأمان والسلامة الدولية وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- تنفيذ برامج تدريب مكثفة تشمل تأهيل وإعداد نحو 150 مهندساً وإدارياً وفنياً إثيوبياً خلال السنوات الثلاث المقبلة في المؤسسات والمعاهد العلمية الروسية المتخصصة.
- إعداد دراسة جدوى اقتصادية وهندسية شاملة لإنشاء مفاعل نووي تجاري صغير ومتوسط الحجم بقدرة مبدئية تبلغ 300 ميجاواط.
- تحديد منطقة «أوري» الواقعة في إقليم أوروميا كموقع مبدئي ومقترح لإنشاء مركز الأبحاث النووية والمفاعل الأول.
- توفير دعم مالي وتمويلي مبدئي بقيمة تقارب 500 مليون دولار من الجانب الروسي لتغطية تكاليف الدراسات الأولية والبنية التحتية التأسيسية.
التداعيات الإقليمية والجيوسياسية: مخاوف دول الجوار والتوازن الاستراتيجي
لا يمكن قراءة الاندفاع الإثيوبية نحو الطاقة النووية بمعزل عن المشهد الجيوسياسي المتوتر في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل. فعلى الرغم من أن إثيوبيا تؤكد مراراً أن برنامجها ذو طابع مدني بحت ومخصص لأغراض توليد الكهرباء والبحث العلمي الطبي والزراعي، إلا أن هذا التحول يثير قلقاً بالغاً وتساؤلات مشروعة لدى دول الجوار، ولا سيما مصر السودان.
تتمحور المخاوف الإقليمية حول عدة هواجس رئيسية، أبرزها معايير الأمان النووي، ومخاطر إدارة وتخزين النفايات الإشعاعية الخطيرة في منطقة تتسم بعدم الاستقرار السياسي والأمني. كما يخشى المراقبون من أن تستخدم إثيوبيا هذا الملف كورقة ضغط سياسية جديدة في صراعات المياه وتقاسم النفوذ الإقليمي. من جهة أخرى، يرى خبراء الشؤون الدولية أن دخول روسيا بثقلها التقني والسياسي إلى الساحة الإثيوبية عبر بوابة الطاقة الذرية يعكس صراع النفوذ الدولي المحتدم في القارة الأفريقية بين القوى الكبرى (روسيا، الصين، والولايات المتحدة)، حيث تسعى موسكو إلى تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية وتأمين موطئ قدم دائم في منطقة استراتيجية تشرف على باب المندب وطرق التجارة العالمية.
التحديات المستقبلية والدروس المستفادة أمام الحلم النووي الإثيوبي
على الرغم من الطموحات الكبيرة والخطوات المتسارعة، يواجه البرنامج النووي الإثيوبي منظومة معقدة من التحديات الجسيمة التي قد تبطئ من وتيرة تنفيذه أو تعرقل طموحاته. يأتي في صدارة هذه التحديات التكلفة المالية الباهظة لبناء وتشغيل المفاعلات النووية، والتي تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات تعجز الخزينة الإثيوبية وحدها عن تحملها، مما يجعل المشروع مرهوناً بالقدرة على جذب تمويلات دولية ضخمة وقروض ميسرة بشروط غير تعجيزية.
إلى جانب التحدي المالي، تبرز عقبة البنية التحتية المؤسسية والقانونية الضعيفة في إثيوبيا، حيث تحتاج الدولة إلى سن تشريعات وطنية صارمة، وتأسيس هيئة رقابية نووية مستقلة وذات كفاءة عالية لضمان الالتزام بمعايير منع الانتشار nuclear non-proliferation والأمن والسلامة البيئية. كما أن غياب الكوادر البشرية المؤهلة بأعداد كافية يمثل عقبة هيكلية تتطلب سنوات طويلة من التدريب والتأهيل المنهجي.
خلاصة استشرافية: تقف إثيوبيا اليوم على مفترق طرق حاسم بين رغبة جامحة في دخول نادي الدول المالكة للطاقة الذرية لحل أزماتها الوجودية في قطاع الكهرباء، وبين واقع إقليمي ودولي معقد يفرض عليها التزامات صارمة وشفافية مطلقة. إن نجاح أديس أبابا في تفعيل شراكتها مع «روساتوم» الروسية لن يغير فقط وجه الاقتصاد الإثيوبي، بل سيعيد صياغة معادلات القوة والنفوذ الطاقي في شرق أفريقيا برمته خلال العقود القادمة، بشرط إدارة الملف بحكمة ومسؤولية تامة تجاه الجوار الإقليمي والسلام العالمي.