في خطوة تعكس التصعيد المتواصل والتحولات العميقة في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية على الجبهة الشمالية، أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مواقف نارية وحاسمة خلال زيارته الميدانية الأخيرة للقطاع الجنوبي. وأعلن كاتس بصراحة لا تقبل التأويل أن الجيش الإسرائيلي يضع اللمسات الأخيرة للسيطرة العملياتية الكاملة على مرتفعات "علي الطاهر" الاستراتيجية الواقعة في عمق الجنوب اللبناني. ولم يقتصر الإعلان على البعد التكتيكي للعمليات، بل رافقته تلويحات سياسية وعسكرية صارمة تؤكد رفض تل أبيب القاطع لأي انسحاب من هذه المنطقة الأمنية المستحدثة، أو حتى مناقشة أي تسوية مستقبلية، قبل تحقيق شرط أساسي ولا غنى عنه من وجهة النظر الإسرائيلية، وهو التجريد الكامل والشامل لحزب الله من ترسانته الصاروخية والعسكرية في تلك القطاعات الحيوية.
الأهمية الاستراتيجية لمرتفعات "علي الطاهر": عين إسرائيل الحاكمة على الجنوب
تكتسب مرتفعات "علي الطاهر" أهمية ميدانية واستراتيجية بالغة الأهمية لا يمكن الاستهانة بها في حسابات الصراع العسكري بين إسرائيل وحزب الله. فهذه المرتفعات تشكل عقدة جغرافية حاكمة تتيح إشرافاً نارياً مباشراً، ومراقبة بصرية وإلكترونية دقيقة لمساحات شاسعة من القرى والبلدات في جنوب لبنان. ومن الناحية التكتيكية، فإن السيطرة على هذه المرتفعات تعني تقويض قدرة الحزب على المناورة البرية، وقطع خطوط إمداده الحيوية، وتحويل هذه النقاط المرتفعة إلى قواعد متقدمة للإنذار المبكر والرصد الاستخباري. ولهذا السبب، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ممثلة برئاسة الأركان ووزارة الدفاع، تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها ركيزة أساسية في "العقيدة الأمنية الجديدة" التي تهدف إلى فرض منطقة عازلة وعميقة تحمي المستوطنات الشمالية من أي هجمات مباغتة، وتمنع عودة البنى التحتية العسكرية لحزب الله إلى نقاط التماس المباشر.
خلفيات التصعيد وسياق البيانات الرسمية الإسرائيلية
تأتي تصريحات يسرائيل كاتس في سياق تحول استراتيجي أوسع نطاقاً تعتمده حكومة الاحتلال بعد أشهر من المواجهات الضارية والعمليات البرية المحدودة والواسعة في جنوب لبنان. وتشير تقارير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والبيانات الرسمية الصادرة عن مكتب وزير الدفاع ورئاسة الوزراء إلى أن تل أبيب لم تعد تقبل بالمعادلات التقليدية التي كانت سائدة قبل اندلاع المواجهات الكبرى. التركيز الحالي ينصب على تحويل الإنجازات العسكرية والميدانية إلى أوراق ضغط سياسية ودبلوماسية كبرى لا رجعة فيها. وتؤكد البيانات الرسمية الإسرائيلية أن الجيش لن يكرر أخطاء الماضي بالانسحاب من الأراضي المسيطر عليها دون ضمانات أمنية صلبة وملموسة على الأرض. من هنا، فإن شرط تفكيك سلاح حزب الله في المنطقة الواقعة جنوب نهر اللطاني، وتحديداً في قطاع علي الطاهر، بات مطلباً تعجيزياً تعتمده إسرائيل لاختبار مدى جدية المجتمع الدولي والوسطاء الدوليين في فرض تطبيق القرار الأممي 1701 بمفاهيم جديدة تضمن الأمن المطلق لإسرائيل.
التداعيات الميدانية والإنسانية على الأرض اللبنانية
على المدى القريب والمتوسط، تنذر هذه التصريحات والتحركات الميدانية بتداعيات كارثية على الاستقرار الهش أصلاً في جنوب لبنان. إن إصرار إسرائيل على التمركز الدائم في مرتفعات علي الطاهر وربط الانسحاب بنزع السلاح يعني بوضوح فرض واقع احتلالي جديد يخلق منطقة أمنية أمر واقع. هذا التوجه يترجم ميدانياً عبر استمرار عمليات التجريف وتدمير البنى التحتية، وهو ما يضاعف من معاناة المدنيين اللبنانيين ويؤخر إلى إشعار آخر أي أمل لعودة مئات الآلاف من النازحين إلى قراهم وبلداتهم المدمرة. علاوة على ذلك، يؤدي هذا التعنت العسكري إلى خلق حالة من الجمود المستدام على الجبهة، حيث ترفض المقاومة اللبنانية جملة وتفصيلاً هذه الشروط الإسرائيلية التي تعتبرها انتقاصاً سيادياً ومحاولة لفرض شروط الاستسلام، مما يبقي فتيل المواجهة المفتوحة مشتعلاً وينذر بانفجار عسكري جديد في أي لحظة.
سيناريوهات المستقبل وتحديات التسوية الدبلوماسية
تواجه الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية، التي تقودها أطراف غربية وعربية لاحتواء التصعيد، طريقاً مسدوداً بسبب التعنت الإسرائيلي والشروط غير القابلة للتفاوض التي يطرحها قادة الاحتلال مثل يسرائيل كاتس. وتتعدد السيناريوهات المستقبلية المحتملة لهذه الأزمة المعقدة:
- سيناريو الجمود المسلح: بقاء القوات الإسرائيلية متمركزة في مرتفعات علي الطاهر ونقاط استراتيجية أخرى، وسط حرب أطراف ومناوشات يومية، مع غياب أي أفق لتسوية سياسية شاملة.
- سيناريو الانفجار الواسع: انهيار كامل للتهدئة الهشة وعودة المواجهات العسكرية الشاملة نتيجة رفض حزب الله المطلق للإملاءات الإسرائيلية واستمرار محاولات فرض السيطرة الأمنية.
- سيناريو الضغط الدولي المشروط: نجاح الضغط الدبلوماسي الدولي في صياغة ترتيبات أمنية بديلة تضمن انسحاباً إسرائيلياً مشروطاً بنشر قوات دولية معززة، وهو سيناريو يظل ضعيف الاحتمال في ظل رفض إسرائيل الثقة بأي قوة سوى بقواتها العسكرية المباشرة.
في الختام، يمثل إعلان يسرائيل كاتس بشأن مرتفعات "علي الطاهر" محطة مفصلية تكشف عن النوايا الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي في فرض خرائط أمنية وسياسية جديدة على حساب الاستقرار والسيادة اللبنانية. إن ربط الانسحاب بتجريد حزب الله من سلاحه يعكس رغبة في تكريس معادلة القوة الإسرائيلية المطلقة، مما يضع لبنان والمنطقة بأسرها أمام تحديات وجودية ومستقبلية غاية في التعقيد والخطورة، تستوجب قراءة استراتيجية عميقة ومواقف وطنية ودولية قادرة على كبح جماح هذا التصعيد المتنامي.