الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية التطورات الأمنية في عدن تمزيق علم اليمن في عدن: استفزاز الانتقالي يهدد الاستقرار

تمزيق علم اليمن في عدن: استفزاز الانتقالي يهدد الاستقرار

14 سبتمبر 2026
10:47 م
تمزيق علم اليمن في عدن: استفزاز الانتقالي يهدد الاستقرار

شهد مدخل العاصمة المؤقتة عدن توتراً ميدانياً لافتاً، وثّقه مقطع مرئي نشره ناشطون، وأظهر قيام عناصر محسوبة على ما يسمى بـ«القوات المسلحة الجنوبية» باعتراض مرور جنود ينتمون لقوات الطوارئ اليمنية. الحادثة التي أثارت موجة من ردود الفعل، تسلط الضوء على عمق الانقسامات الميدانية وحالة الاحتقان المتصاعدة في المحافظات الجنوبية، وسط تقاطع معقد بين الملفات الأمنية والتوجهات السياسية الانفصالية. لم يكن المشهد عابراً؛ فالنقاط الأمنية في عدن تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مختبر يومي لقياس موازين القوى بين التشكيلات المسلحة، وكل حادثة من هذا النوع تحمل رسائل سياسية تتجاوز حدودها المكانية.

عند بوابة المدينة: تفاصيل المشهد المصور الذي أشعل الجدل

أظهر الفيديو المتداول تفاصيل دقيقة لعملية الاعتراض، حيث طالب مسلحون موالون للمجلس الانتقالي جنود قوات الطوارئ بالتوقف ومنعهم من مواصلة طريقهم نحو الداخل. ولم يتوقف الأمر عند حدود الإيقاف، بل أقدم العناصر على انتزاع شعار علم الجمهورية اليمنية الملصق على الأزياب الرسمية لجنود الطوارئ، واستخدام السكاكين لتمزيقه علناً، مع توجيه تحذيرات صارمة بعدم حمل أو ارتداء الشعار الوطني مجدداً أثناء العبور إلى داخل المدينة. وتظهر اللقطات، بحسب ما تناقله ناشطون، حالة من التوتر الشديد وتبادل الاتهامات، فيما بدا الجنود في موقف دفاعي دون أن يتصاعد الأمر إلى اشتباك مسلح مباشر. لكن الدلالة الأعمق تكمن في أن الاعتراض لم يستهدف فرداً بعينه، بل استهدف رمزاً سيادياً هو العلم الوطني، ما يمنح الحادثة بعداً سياسياً يتجاوز مجرد خلاف على نقطة تفتيش.

خلفيات الصراع: من الوحدة إلى الانفصال الرمزي

تأتي هذه الواقعة في سياق سياسي بالغ التعقيد يغذي التوتر المستمر في جنوب اليمن. يتبنى المجلس الانتقالي، الذي يُشار إليه في أدبيات المشهد بـ«المنحل»، توجهاً سياسياً صريحاً ينادي بالانفصال وإلغاء وحدوية الدولة اليمنية التي أُقرت في الثاني والعشرين من مايو 1990. ومنذ تأسيسه في عام 2017، سعى المجلس إلى ترجمة نفوذه الميداني إلى وقائع سياسية، عبر السيطرة على مفاصل أمنية وعسكرية في عدن وبعض المحافظات الجنوبية. وبعد أحداث أغسطس 2019، دخلت القوى الجنوبية في صراع مفتوح مع الحكومة الشرعية، قبل أن تفرض ترتيبات سياسية وأمنية هشة، من بينها اتفاق الرياض وما تلاه من ترتيبات لتقاسم السلطة، لكن تلك الترتيبات لم تُنهِ التناقضات الجوهرية حول شكل الدولة ومستقبل الوحدة. وكلما اقترب أي استحقاق سياسي، تعود الرموز الوطنية إلى الواجهة كأداة للاصطفاف والاستفزاز.

العلم كساحة مواجهة: دلالات تمزيق الرمز الوطني

تُعد الرموز الوطنية وفي مقدمتها العلم الرسمي أحد أبرز خطوط المواجهة الرمزية والمعنوية بين الأطراف الميدانية المختلفة، حيث تتحول النقاط الأمنية أحياناً إلى مسارح لاختبار نفوذ السيطرة وفرض الاشتراطات السياسية بالقوة المسلحة. وتمزيق العلم ليس مجرد فعل تخريبي، بل هو رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى القوات الحكومية بأن وجودها في عدن بات مشروطاً، والثانية موجهة إلى الرأي العام الجنوبي بأن مشروع الانفصال قادر على فرض منطقه حتى على مستوى الرموز. ويقول محللون إن استهداف العلم يحمل إشارة إلى رفض أي تجسيد للدولة المركزية، في وقت تتحدث فيه أطراف سياسية عن الحفاظ على مؤسسات الدولة. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يزيد من حالة السيولة السياسية والأمنية.

قوات الطوارئ في مرمى الاستفزاز: موقعها ودورها

تشكل قوات الطوارئ اليمنية إحدى التشكيلات الأمنية النظامية المرتبطة بوزارة الداخلية، وتضطلع بمهام حفظ الأمن والتعامل مع حالات الطوارئ في العاصمة المؤقتة عدن وبعض المحافظات المحررة. ومع تعدد التشكيلات العسكرية والأمنية في المدينة، تجد هذه القوات نفسها في مواجهة ازدواجية الولاءات وصراع الصلاحيات. فمن جهة، هي ملزمة بالعمل وفق القانون وحمل الرموز الرسمية للدولة، ومن جهة أخرى، تفرض الجماعات المسلحة الموالية للمجلس الانتقالي واقعاً أمراً على الأرض يقيّد حركتها ويصادر رمزيتها. وتكشف حادثة تمزيق العلم عن خلل بنيوي في ترتيبات الأمن في عدن، حيث لا توجد سلطة واحدة قادرة على فرض هيبتها، بل شبكة من الميليشيات والتشكيلات المتقاطعة المصالح.

ردود الفعل والتباينات: بين الإدانة والصمت الميداني

أثار الفيديو موجة واسعة من ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي. فقد أدان ناشطون وحقوقيون ما وصفوه بـ«الاستفزاز المسلح» و«الإهانة للرمز الوطني»، مطالبين بفتح تحقيق فوري ومحاسبة المتورطين. في المقابل، برر بعض الموالين للمجلس الانتقالي الحادثة بأنها رد على «استفزازات» سابقة أو محاولات لفرض وجود قوات حكومية في مناطق نفوذهم. أما على المستوى الرسمي، فلم تصدر حتى الآن بيانات حاسمة من الحكومة اليمنية أو من قيادة التحالف العربي، ما يعكس حساسية الموقف وحرصاً على عدم تفجير الوضع أكثر. ويرى مراقبون أن غياب رد فعل رسمي حازم قد يشجع على تكرار مثل هذه الحوادث، ويعطي انطباعاً بأن القانون أصبح غائباً لصالح منطق القوة.

تداعيات أمنية: عدن بين شبح الصدام ونقطة اللاعودة

تترك مثل هذه الاحتكاكات الميدانية انعكاسات مباشرة على الاستقرار الهش في عدن، وتزيد من تعقيد المشهد الأمني الذي تعاني منه المدينة أصلاً جراء تعدد التشكيلات العسكرية وتضارب الولاءات. ومع غياب الآليات الرادعة لمثل هذه التصرفات الفردية والمؤسسية، يخشى مراقبون أن تتطور هذه الاستفزازات إلى صدامات مسلحة أوسع نطاقاً، مما يعرقل جهود تطبيع الحياة ويعمق الهوة بين القوى الفاعلة على الأرض. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول يتمثل في احتواء الحادثة عبر وساطات محلية وإعادة ترتيب النقاط الأمنية؛ الثاني تصعيد محدود يتبادل فيه الطرفان الاتهامات والاستفزازات دون مواجهة شاملة؛ الثالث انفجار أمني أوسع إذا تكررت حوادث مماثلة ووجدت القوات الحكومية نفسها مضطرة للرد. وفي كل الأحوال، فإن استمرار حالة اللاسيادة يهدد بتقويض أي جهد لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

دروس مستفادة: نحو معالجة جذور الأزمة لا أعراضها

إن ما حدث عند مدخل عدن ليس مجرد حادثة عابرة، بل عرض من أعراض أزمة سياسية وأمنية أعمق. فحل الخلافات حول الرموز السيادية لا يكون بتمزيق الأعلام، بل بمعالجة جذور الانقسام عبر حوار وطني شامل يحدد شكل الدولة وعلاقة الجنوب بالمركز. كما أن استعادة هيبة الدولة تتطلب دمج التشكيلات المسلحة تحت مؤسسة أمنية واحدة، وإنهاء ازدواجية الولاءات، وفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء. وفي غياب ذلك، ستبقى عدن ساحة مفتوحة للاستفزازات، وستدفع المدينة ثمن كل صراع على النفوذ. إن تمزيق العلم اليوم قد يكون مقدمة لتمزيق ما تبقى من نسيج اجتماعي وسياسي، إن لم يتدارك العقلاء الموقف قبل فوات الأوان.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار
اقتصاد

لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار

أنهى مؤشر السوق السعودي جلسته على تراجع بنحو 0.5% ليستقر عند 10542 نقطة، في يوم كسر فيه مؤشر «نمو» الموازي القاعدة وربح 48 نقطة. الأرقام الكاملة للمزاد وأحجام السيولة تكشف ما لم يظهر في الصورة الكبيرة.

م. طارق المهيدب منذ 3 ساعات
ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟
سياسة

ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟

عملية عسكرية واسعة تشنها الحكومة اليمنية لاستعادة الوازعية في مارب بمشاركة 1,200 جندي وغطاء جوي أمريكي، وسط تصاعد الضحايا المدنيين وقبيل مؤتمر سلام في الرياض. فما حقيقة المعارك ولماذا هذا التوقيت؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 5 ساعات