الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية الأمن في الضالع استقالة مدير أمن الضالع تكشف صراعات خفية وضغوطاً ميدانية

استقالة مدير أمن الضالع تكشف صراعات خفية وضغوطاً ميدانية

15 سبتمبر 2026
10:03 م
استقالة مدير أمن الضالع تكشف صراعات خفية وضغوطاً ميدانية

في تطور أمني لافت هز الشارع المحلي في اليمن، أعلن النقيب سليمان ناصر مسعد، مدير أمن مديرية الضالع، ترك منصبه وتقديم استقالته الرسمية، كاشفاً عن خبايا وتفاصيل مثيرة أطاحت بالاستقرار الأمني الهش في المنطقة. وجاءت هذه الخطوة لتعكس حجماً غير مسبوق من التوتر، خصوصاً بعد أن وصف النقيب الأوضاع الحالية في المحافظة بعبارات قاسية ومباشرة تسلط الضوء على صراعات خفية تهدد السلم الأهلي، وتكشف عن بنية أمنية متآكلة تعاني من تداخل الولاءات وتضارب المرجعيات، في وقت تتقاطع فيه المصالح المحلية مع أجندات إقليمية أوسع.

ولم تكن الاستقالة حدثاً معزولاً أو قراراً شخصياً مفاجئاً، بل جاءت تتويجاً لسلسلة ضغوط متراكمة وتراكمات أمنية وإدارية ظلت تتفاقم بصمت خلال الأشهر الماضية، قبل أن تنفجر على خلفية جريمة التقطع الدموية التي راح ضحيتها ثلاثة شبان من أبناء منطقة الأزارق. وهو ما يضع المحافظة أمام اختبار وجودي حقيقي، بين خيار بناء مؤسسة أمنية مهنية تحترم القانون، أو الانزلاق نحو فوضى مفتوحة تلتهم ما تبقى من نسيجها الاجتماعي.

خلفية الأزمة وجريمة الأزارق التي أشعلت فتيل التوتر

لم تأتِ الاستقالة من فراغ، بل جاءت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتداعيات الخطيرة التي أعقبت جريمة التقطع الدموية التي أسفرت عن مقتل ثلاثة شبان من أبناء منطقة الأزارق. وقد شدد مدير الأمن المستقيل على أن هذه الواقعة الأليمة لا ينبغي بأي حال من الأحوال التعامل معها كحادثة جنائية عادية ومغلقة، بل تتطلب وقفة جادة وتحقيقاً شفافاً في مجمل الإجراءات والملابسات الأمنية التي رافقتها وأعقبت وقوعها مباشرة.

وتقع منطقة الأزارق في نطاق جغرافي حساس تتشابك فيه الطرق الرابطة بين محافظات الجنوب والمرتفعات الشمالية، ما جعلها تاريخياً ممراً للتحركات القبلية والعسكرية والتجارية على حد سواء. ولهذا فإن أي جريمة تقطع أو اعتداء في هذا الشريط الجغرافي لا تبقى محصورة في إطارها الجنائي الضيق، بل تتحول سريعاً إلى قضية رأي عام قد تشعل احتقانات قبلية ومناطقية مكتومة منذ سنوات.

ويؤكد مراقبون للشأن اليمني أن ملف الضحايا الثلاثة تحوّل من قضية عدالة جنائية إلى بؤرة توتر سياسي وأمني، خصوصاً في ظل غياب مؤسسات قضائية فعّالة قادرة على إنفاذ الأحكام، وتعدد المراجع الأمنية المتصارعة على النفوذ في المحافظة، وهو ما يجعل كل جريمة كبرى بمثابة اختبار حقيقي لمدى تماسك الدولة المحلية وهشاشتها في آن واحد.

ضغوط ميدانية وروايات مثيرة للجدل حول المتهمين

وبحسب ما أورده النقيب سليمان ناصر مسعد في معرض تبريره لخطوة الاستقالة، فإن الضغوط التي تعرض لها لم تكن ضغوطاً إدارية عادية، بل كانت ضغوطاً ميدانية مكثفة ومقصودة استهدفت تقييد عمله وإفراغ قراره الأمني من مضمونه، وهو ما دفعه إلى مغادرة مبنى إدارة الأمن، تاركاً خلفه فراغاً وفوضى عارمة انعكست مباشرة على الخدمات الأمنية اليومية المقدمة للمواطنين.

وتتفرع عن هذه الأزمة جملة من الوقائع والروايات المتضاربة التي أثارت جدلاً واسعاً في أوساط الرأي العام المحلي، وفي مقدمتها:

  • تعرض القيادي الأمني لضغوط مكثفة أجبرته على مغادرة مبنى إدارة الأمن، مما خلق فراغاً وفوضى عارمة في الشارع الأمني.
  • إثارة ملف نقل أحد المصابين من المجموعة المتهمة بالتققطع إلى العاصمة المؤقتة عدن وإيداعه مستشفى خاصاً، وهو إجراء أثار تساؤلات حول دوافع هذا النقل وتوقيته والجهة التي أمرت به.
  • تلقي اتصالات متضاربة بشأن القبض على المتهم الرئيسي في جريمة قتل الشباب الثلاثة، وسط غموض يلف سير التحقيقات وملابسات احتجاز أو إطلاق المشتبه بهم.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ملف القضية لم يعد ملفاً أمنياً بحتاً، بل بات ساحة تنازع بين مراكز قوى متعددة، بعضها محلي وبعضها خارجي، كلٌّ يحاول توظيف الملف لصالحه. ويطرح النقل المستعجل لأحد المصابين إلى عدن وإيداعه مستشفى خاصاً علامة استفهام كبرى حول الجهة التي تحركت بهذا الشكل، وما إذا كان ذلك بدافع إنساني بحت أم لغرض إخفاء معلومات أو تأمين مصالح معينة.

الفراغ الأمني وتداعياته على النسيج الاجتماعي في الضالع

لا يقتصر أثر هذه الأزمة على الجانب المؤسسي، بل يمتد إلى عمق البنية الاجتماعية في محافظة الضالع التي ظلت لعقود ساحة تعايش هش بين مختلف المكونات القبلية والمناطقية. فخروج مدير الأمن من موقعه في ظل هذه الظروف يفتح الباب واسعاً أمام احتمالات تصاعد الأعمال الانتقامية، وتنامي ظواهر التقطع والسطو المسلح، وتراجع ثقة المواطن في قدرة السلطات المحلية على حمايته.

ويزيد من خطورة المشهد أن محافظة الضالع تقع في منطقة تتقاطع فيها النفوذ العسكرية والأمنية المتعددة، ما يعني أن أي فراغ أمني فيها سرعان ما يتم ملؤه من قوى غير رسمية قد لا تلتزم بأي معايير قانونية أو حقوقية. وهذا السيناريو ينذر بعواقب وخيمة على المدى المتوسط، لا سيما في ما يتصل بحرية التنقل، والنشاط الاقتصادي، واستمرار الخدمات الأساسية.

تحذيرات عاجلة من الانزلاق نحو الفوضى والامتناع عن تسييس الدماء

وفي رسالته الختامية، وجّه النقيب سليمان ناصر نداءً عاجلاً إلى كافة أبناء الضالع والأزارق وأولياء دم الضحايا، داعياً إياهم إلى التحلي بأعلى درجات الوعي واليقظة. وحذر بشدة من مغبة استغلال هذه الدماء الطاهرة لتحويلها إلى وقود لمشاريع سياسية ضيقة أو صراعات داخلية تدمر ما تبقى من أواصر النسيج الاجتماعي، مؤكداً أن إنفاذ القانون هو السبيل الوحيد لمنع تفتيت المحافظة وإضعاف وحدتها في هذه المرحلة الحرجة.

ويكشف هذا التحذير عن قناعة راسخة لدى القيادي المستقيل بأن جريمة الأزارق قد تُستخدم كأداة لتأجيج خطاب الكراهية والانقسام، وهو ما يستدعي من النخب المحلية والمشايخ والوجهاء والأعيان تحمّل مسؤولياتهم التاريخية في احتواء الأزمة وعدم الانجرار خلف دعوات التصعيد. كما يضع هذا النداء السلطات المحلية أمام مسؤولية مضاعفة، تتمثل في ضرورة الإسراع بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، وإعلان نتائجها بشفافية كاملة أمام الرأي العام.

أبعاد أوسع: صراع النفوذ والمرجعيات الأمنية المتداخلة

لا يمكن قراءة استقالة مدير أمن الضالع بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المحافظات الجنوبية والمناطق المحيطة بها، حيث تتعدد المراجع الأمنية والعسكرية وتتداخل صلاحياتها بشكل يخلق حالة من التضارب الدائم. فالقرار الأمني في مثل هذه البيئات لا يُتخذ بناءً على معايير مهنية بحتة، بل غالباً ما يخضع لحسابات ولائية وموازنات قوى محلية وإقليمية.

وفي هذا الإطار، يرى محللون أن استقالة قيادي أمني بهذا المستوى تحمل دلالات عميقة، فهي من جهة تعبير عن رفض منظومة عمل غير مهنية تفرض عليه قيوداً تتعارض مع واجبه في حماية المواطن، ومن جهة أخرى رسالة احتجاج علنية على تدخلات تحاول توظيف الأجهزة الأمنية لخدمة أجندات ضيقة. وهي في المحصلة تعبير عن أزمة ثقة متصاعدة بين القيادات الميدانية والمرجعيات السياسية العليا.

سيناريوهات مستقبلية ودروس مستفادة

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة في المرحلة المقبلة:

  • سيناريو الاحتواء: ويتحقق في حال استجابة السلطات المحلية لمطالب التحقيق الشفاف، وتعيين قيادة أمنية مقبولة محلياً، والبدء في معالجة جذور الأزمة قبل تفاقمها.
  • سيناريو التصعيد: ويتجسد في حال استمرار الضغوط وتجاهل مطالب أولياء الدم، ما قد يدفع نحو احتجاجات واسعة أو مواجهات قبلية تخرج عن سيطرة السلطات.
  • سيناريو الانفلات الكامل: وهو الأخطر، ويتمثل في انهيار ما تبقى من البنية الأمنية، وتحول المحافظة إلى ساحة مفتوحة للفوضى والصراعات المسلحة.

وفي جميع الأحوال، فإن الدرس الأبرز الذي يفرض نفسه هو أن تأجيل معالجة الملفات الأمنية المتراكمة لا يؤدي إلا إلى تضخيمها وتحويلها إلى قنابل موقوتة تهدد الجميع. كما أن تسييس الدماء واستثمار المآسي الإنسانية لخدمة أهداف سياسية آنية يمثل أخطر ما يمكن أن يُقدم عليه أي طرف، لأنه يقوض الثقة في إمكانية تحقيق العدالة ويغذي ثقافة الانتقام.

وفي الختام، تبقى استقالة النقيب سليمان ناصر مسعد لحظة مفصلية في تاريخ محافظة الضالع الحديث، تكشف هشاشة البنية الأمنية واختلال موازين القوى المحلية. وهي دعوة مفتوحة لكل الأطراف المعنية، من سلطات محلية ومكونات قبلية ومنظمات مجتمع مدني، إلى تغليب صوت العقل وإنفاذ القانون، ووضع مصلحة المواطن وحقه في الأمن والعدالة فوق كل الحسابات الضيقة، لأن ما تبقى من استقرار الضالع أصبح رهينة لأي خطوة خاطئة قد تدفع نحو الهاوية.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار
اقتصاد

لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار

أنهى مؤشر السوق السعودي جلسته على تراجع بنحو 0.5% ليستقر عند 10542 نقطة، في يوم كسر فيه مؤشر «نمو» الموازي القاعدة وربح 48 نقطة. الأرقام الكاملة للمزاد وأحجام السيولة تكشف ما لم يظهر في الصورة الكبيرة.

م. طارق المهيدب منذ 3 ساعات
ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟
سياسة

ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟

عملية عسكرية واسعة تشنها الحكومة اليمنية لاستعادة الوازعية في مارب بمشاركة 1,200 جندي وغطاء جوي أمريكي، وسط تصاعد الضحايا المدنيين وقبيل مؤتمر سلام في الرياض. فما حقيقة المعارك ولماذا هذا التوقيت؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 5 ساعات