لم يكن الإعلان عن إحباط زحف حوثي مدمر في جبهة كهبوب الاستراتيجية مجرد خبر عسكري عابر، بل جاء ليكشف عن واحدة من أخطر المعارك التي شهدتها أطراف مديرية المضاربة في محافظة لحج خلال الفترة الأخيرة. فبعد يومين من المواجهات الضارية، تحولت تلك الجبهة إلى مقبرة لمليشيا الحوثي، بعد فشل سلسلة هجمات متتالية استهدفت البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب الحيوي. وعشرات القتلى والجرحى سقطوا في صفوف الجماعة، وسط عجز تام عن تحقيق أي اختراق ميداني، في مؤشر على أن الجغرافيا والدفاعات المحكمة قلبتا حسابات التصعيد الحوثي رأساً على عقب.
باب المندب: شريان التجارة العالمية ومسرح الرهانات الكبرى
يعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن ثم المحيط الهندي، ويمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة والبضائع بين أوروبا وآسيا. ولا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يحمل أهمية استراتيجية تفوق حجمه الجغرافي، فهو نقطة الاختناق التي تتحكم في إيقاع الملاحة الدولية، وأي تهديد فيه يرفع كلفة التأمين على السفن ويؤثر في أسواق النفط والسلع. ولهذا فإن السيطرة على المرتفعات المطلة عليه، ومنها كهبوب، تمنح من يمسك بها قدرة على مراقبة الممر الملاحي والتأثير في معادلة الأمن الإقليمي. ومن هنا تأتي خطورة الزحف الحوثي على هذه الجبهة، ليس بوصفه معركة محلية فحسب، بل كمحاولة لقلب موازين القوى في واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية.
كهبوب: الجغرافيا التي تفرض معادلة القتال
تقع جبهة كهبوب في أطراف مديرية المضاربة والعارة بمحافظة لحج، وتشكل مرتفعاً جبلياً حاكماً ومباشراً على الممر الملاحي العالمي لمضيق باب المندب. وهذه الطبيعة الجبلية الوعرة تمنح المدافعين عنها أفضلية كبيرة، إذ تضيق مسارات التقدم وتكشف أي حشود متحركة، وتحول دون تحقيق اختراق سريع. وقد فشلت الحشود الحوثية المتكررة في كسر الطوق الدفاعي للقوات العسكرية المرابطة هناك، ولم تكتفِ تلك القوات بصد الهجمات، بل أعادت ترتيب صفوفها وتنظيم خطوطها الدفاعية تمهيداً لشن عمليات عكسية تستهدف مواقع تمركز الميليشيا في الساحل والمناطق الجبلية لمديريات غرب تعز. وهذا التحول من الدفاع إلى الهجوم المضاد يعكس ثقة ميدانية متزايدة، ويدل على أن جبهة كهبوب لم تعد مجرد خط صد، بل منصة لقلب المعادلة في الساحل الغربي.
لماذا فشل الزحف الحوثي؟ قراءة في الأسباب
يمكن فهم فشل الزحف الحوثي على كهبوب من خلال مجموعة عوامل مترابطة:
- عامل الجغرافيا: المرتفعات الجبلية تمنح المدافعين خطوط رؤية ورمي واسعة، وتجعل أي تقدم نحو القمم عملية باهظة الثمن.
- جاهزية الدفاعات: القوات المرابطة كانت على علم مسبق بنوايا التصعيد، وأعدت تحصينات ونقاط إسناد نارية متداخلة.
- الدعم الجوي: الغارات المكثفة على تعزيزات الحوثيين في المخا وذوباب أربكت خططهم، وقطعت الإمداد عن القوة المهاجمة.
- إطالة خطوط الإمداد: الحوثيون يعتمدون على خطوط طويلة من الحديدة وتعز، وهي خطوط مكشوفة للاستهداف الجوي.
- الاستنزاف البشري: تكرار الهجمات دون اختراق يرفع الخسائر ويضعف الروح القتالية، خصوصاً مع صعوبة تعويض العناصر المدربة.
- عامل الأرض والسكان: معرفة القوات المحلية بالمسالك والوديان تمنحها قدرة على المناورة والكمائن.
هذه العوامل مجتمعة حولت جبهة كهبوب إلى جحيم حقيقي للميليشيا، وأثبتت أن التفوق العددي وحده لا يكفي عندما تواجه قوة مدافعة متماسكة تستفيد من التضاريس والدعم الجوي.
النار من السماء: الغارات الجوية والمسيرات تغير قواعد الاشتباك
تزامن الفشل الميداني للحوثيين مع غارات جوية مكثفة شنّتها مقاتلات حربية وطائرات مسيّرة استهدفت أهدافاً ثابتة ومتحركة وتجمعات متفرقة للميليشيا في مديريتي المخا وذوباب على الشريط الساحلي الغربي لتعز، مما ضاعف من خسائرهم البشرية والمادية. ولم تقتصر هذه الضربات على ساحات المواجهة المباشرة، بل امتدت إلى خطوط الإمداد والمخازن ونقاط التجمع، ما أربك قدرة الحوثيين على تعويض الخسائر أو دفع تعزيزات جديدة نحو كهبوب. وفي سياق متصل، كشفت المعطيات الميدانية عن قيام الحوثيين باستقدام شاحنات ضخمة نقلت عتاداً عسكرياً وأصولاً من مطار وميناء المخا ومنشآت خدمية وحكومية نحو محافظة الحديدة، في محاولة يائسة لنهب ونقل مقدرات البنية التحتية تحت غطاء التصعيد. وهذا السلوك يكشف عن إدراك الحوثيين أن الساحل الغربي بات منطقة غير آمنة لمشاريعهم، وأن نقل العتاد والأصول نحو الحديدة قد يكون استعداداً لسيناريو انكفاء أو إعادة تمركز بعيداً عن نيران الغارات.
المخا وذوباب: معركة الساحل الغربي وأبعادها
تكتسب مديريتا المخا وذوباب أهمية خاصة في هذه المعركة، فالمخا ليست مجرد مدينة ساحلية، بل ميناء تاريخي ومركز لوجستي يربط بين البحر والمناطق الداخلية، بينما تقع ذوباب في نقطة قريبة من مضيق باب المندب، ما يجعلها رأس جسر لأي عمليات عسكرية أو تهديدات للملاحة. ومن خلال استهداف تعزيزات الحوثيين في هاتين المديريتين، تسعى القوات الموالية للشرعية والتحالف إلى تقطيع أوصال الخطوط الحوثية التي تمتد من الحديدة جنوباً نحو تعز ولحج. وإذا نجحت العمليات العكسية في كهبوب، فإنها قد تفتح الباب لضغط عسكري أوسع على مواقع الميليشيا في الساحل والمناطق الجبلية لغرب تعز، مما يغير شكل الخريطة الميدانية ويجبر الحوثيين على الدفاع بدلاً من الهجوم. لكن هذا المسار لا يخلو من مخاطر، إذ قد يرد الحوثيون بمحاولات استنزاف أو هجمات انتقامية على مواقع متفرقة، أو بالتصعيد في جبهات أخرى لتشتيت الجهد.
التداعيات والسيناريوهات: تأمين الممر الملاحي أم تصعيد مفتوح؟
تعكس هذه التطورات الميدانية السريعة مدى حساسية وتأمين الممر الملاحي في باب المندب، وتؤكد فشل المحاولات المتكررة لزعزعة الاستقرار في أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ومن المتوقع أن تزيد هذه العمليات من الضغط العسكري على مواقع تمركز الميليشيا، مما يفرض واقعاً ميدانياً جديداً يعزز من تأمين الساحل الغربي ويقطع دابر أي تهديدات محتملة للملاحة الدولية. ويمكن تصور عدة سيناريوهات خلال المرحلة المقبلة:
- سيناريو الضغط المتواصل: استمرار الغارات والعمليات العكسية لتقليم قدرات الحوثيين في الساحل الغربي، مع تثبيت نقاط دفاعية متقدمة في كهبوب.
- سيناريو التصعيد الانتقامي: لجوء الحوثيين إلى هجمات محدودة بالمسيرات أو الصواريخ على أهداف اقتصادية أو ملاحية، لكن دون قدرة على تغيير المعادلة البرية.
- سيناريو الجمود التفاوضي: تحول المواجهة إلى استنزاف طويل، مع بقاء الممر الملاحي تحت تهديد متقطع يدفع المجتمع الدولي للتحرك.
- سيناريو انسحاب تكتيكي: إعادة الحوثيين نشر قواتهم بعيداً عن الساحل، ونقل ما يمكن نقله من عتاد نحو الحديدة، كما تشير مؤشرات الشاحنات الضخمة.
وفي كل الأحوال، فإن استقرار باب المندب لا يمكن أن يتحقق فقط بالعمليات العسكرية، بل يحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين تأمين الساحل، ودعم القوات المحلية، وقطع التمويل والإمداد، وضمان حرية الملاحة الدولية.
الدروس المستفادة وخلاصة استشرافية
إن ما جرى في كهبوب يقدم درساً واضحاً: الجغرافيا عندما تُدار بوعي عسكري تصبح سلاحاً استراتيجياً، والدعم الجوي عندما يُستخدم بدقة يقلب موازين المعركة. لقد تحولت هذه الجبهة إلى مقبرة للحوثيين، ليس لأنهم افتقروا إلى العدد، بل لأنهم اصطدموا بجدار دفاعي صلب وإرادة قتالية عالية. ومع استمرار الضغط على خطوط الإمداد في المخا وذوباب، قد يجد الحوثيون أنفسهم مضطرين للتراجع نحو الحديدة، تاركين خلفهم مقدرات منهوبة وأنقاض مشروعهم في الساحل الغربي. لكن المرحلة المقبلة تبقى محفوفة بالمخاطر، فالميليشيا لم تفقد بعد قدرتها على المناورة أو التصعيد في جبهات أخرى. ولهذا فإن تأمين باب المندب يتطلب استراتيجية طويلة النفس، لا تكتفي بإحباط الزحف، بل تبني منظومة ردع دائمة تحمي الملاحة الدولية وتفرض واقعاً جديداً يمنع أي تهديد مستقبلي. وهنا تكمن أهمية كهبوب: ليست مجرد معركة عابرة، بل نقطة تحول في الصراع على أحد أخطر الممرات في العالم.