في الوقت الذي تُطبق فيه حرب الإبادة والدمار على تفاصيل الحياة في قطاع غزة، وتغرق الشوارع في وحشة الفقد والخوف والنزوح، اختار الشاب الفلسطيني محمد الشاعر أن يشق طريقاً مختلفاً نحو النجاة. من بين ركام منزله المدمر في خان يونس وخيمته التي تتأرجح بين ليل القصف ونهار المعاناة، أطلق الشاعر والصحفي البالغ من العمر 27 عاماً عمله الأدبي الثاني بعنوان «حب مستعار تحت الحصار»، ليحمل رسائل غزة النابضة بالحياة إلى العالم بأسره بلغات متعددة.
عندما تلد الخيمة والموت قصائد تنبض بالحياة
لم تكن بداية رحلة محمد مع الأدب وليدة اللحظة الراهنة، إذ تعود جذور شغفه الشعري إلى عدوان عام 2014 حين كان طالباً على مقاعد الدراسة الثانوية، متأثراً بقسوة الحصار والأزمات المتلاحقة التي تعصف بالقطاع الساحلي. غير أن طوفان الحرب الأخيرة التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 -قبيل يوم واحد فقط من تخرجه من قسم الإذاعة والتلفزيون بجامعة الأقصى- وضعت الشاب أمام اختبار قاسي؛ حيث تحول فجأة إلى مراسل صحفي حر يوثق المأساة بالصوت والصورة، قبل أن يناله نصيبه من الفقد بخسارة مسكنه وذكرياته، وفقدان أعز أصدقائه وزملاء المهنة، وفي مقدمتهم مصور قناة الجزيرة محمد سلامة. هذا المخاض المرير دفع الشاعر لإعادة هندسة ذاكرته عبر الحرف، مولداً من رحم اليأس نصوصاً تجمع بين قسوة الميدان وعذوبة الغزل.
من غزة إلى العالم: تراتيل الحب في زمن الحرب
يضم الإصدار الجديد 21 قصيدة موزونة جرى ترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية لتخطي قيود الحصار ونقص دور النشر والمكتبات. ويعكس اختيار العنوان «حب مستعار تحت الحصار» رغبة واعية في خلق مساحة افتراضية للتنفس بعيداً عن مشاهد الموت والركام، حيث تتحول المحبوبة في الأبيات إلى مرآة يخاطب من خلالها العالم ويرسم ملامح أمل مستعار من الخيال. ولم تكن هذه التجربة الأولى، إذ سبقتها مجموعة شعرية رقمية تحمل عنوان «تغريدات في الحب والحرب» ضمت 45 قصيدة مزجت بين لوعة الفقد والمجازر ودفء الأمل الإنساني وسط الدمار.
الذاكرة الأدبية كخط دفاع أخير ضد النسيان
يرى الشاعر الفلسطيني أن الأدب في الظروف الاستثنائية لا يقتصر دوره على التنفيس النفسي فحسب، بل يمثل وثيقة تاريخية لحفظ الذاكرة الإنسانية وحماية حق الأجيال القادمة في معرفة الحقيقة. وفي ظل شح الإمكانيات وانقطاع الخدمات الأساسية كالكهرباء والإنترنت، يصر محمد على أن القصيدة تظل السلاح الأقوى للوصول إلى قلوب وعقول من تعبوا من مشاهدة تقارير الدمار المجرّدة، ليؤكد أن إرادة البقاء والإبداع في غزة أقوى من آلة الحرب المدمّرة.