الرئيسية تقارير خاصة ثقافة وفنون الشاعر الفلسطيني محمد الشاعر يُفاجئ العالم بديوان «حب مستعار تحت الحصار» من ركام غزة

الشاعر الفلسطيني محمد الشاعر يُفاجئ العالم بديوان «حب مستعار تحت الحصار» من ركام غزة

تحرير: فيصل الحربي
نُشر في: 15 سبتمبر 2026
11:20 م
مُحدّث: منذ شهر
الشاعر الفلسطيني محمد الشاعر يُفاجئ العالم بديوان «حب مستعار تحت الحصار» من ركام غزة

في المشهد القاتم الذي ترسمه آلة الحرب والدمار في قطاع غزة، حيث تتشابه الأيام وتتكرر مآسي النزوح والفقد، يبرز الفعل الثقافي والأدبي كعملية مقاومة واعية وبديل إنساني عن لغة الحديد والنار. من تحت خيام العزاء والتشرد، ومن بين أنقاض المنازل المدمرة في محافظة خان يونس، خطّ الشاب الفلسطيني والصحفي محمد الشاعر، البالغ من العمر 27 عاماً، فصلاً فريداً من التمرد على الموت بإصداره الشعري الجديد «حب مستعار تحت الحصار». هذا الإصدار لا يمثل مجرد ديوان شعري عابر، بل هو وثيقة حية تعكس قدرة الإنسان الفلسطيني على استنباط الجمال والحياة من قلب المعاناة المطلقة، وتحدي الحصار المطبق الذي يحاول خنق كل صوت ينبض بالأمل أو يروي حكاية بقاء.

مخاض الإبداع تحت القصف: قصة صمود من رحم الألم

لم يولد ديوان «حب مستعار تحت الحصار» في ظروف هادئة، بل تشكل في خضم واحدة من أقسى التجارب الإنسانية والتاريخية المعاصرة. تعود جذور الشغف الأدبي لدى الشاعر إلى سنوات مبكرة، تحديداً في عدوان عام 2014 حين كان طالباً على مقاعد الدراسة الثانوية، حيث وجد في الكلمة متنفساً وملاذاً. غير أن طوفان الحرب الأخيرة التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 -والتي تزامنت مع توقيت حرج تمثل في اليوم السابق لتخرجه رسمياً من قسم الإذاعة والتلفزيون بجامعة الأقصى- وضعت الشاب أمام اختبار وجودي قاس. فجأة، وجد محمد نفسه مطالباً بالجمع بين دور الصحفي الحر الذي يوثق المجازر والمآسي بالصوت والصورة، ودور الشاهد الذي يكتوي بنار الفقد؛ حيث خسر مسكنه وذكرياته، وفجع برحيل أعز أصدقائه وزملاء المهنة، وفي مقدمتهم مصور قناة الجزيرة الشهيد محمد سلامة. هذا المخاض المرير لم يكسر قلم الشاب، بل دفعه إلى إعادة هندسة ذاكرته عبر الحرف، مولداً نصوصاً تجمع بين قسوة الميدان وعذوبة الغزل والإنسانية.

بين الصحافة والأدب: عندما تتحول الكاميرا إلى قصيدة والعدسة إلى نبض

تتقاطع مسيرة محمد الشاعر الصحفية مع مسيرته الأدبية بشكل وثيق ويدعم أحدهما الآخر. فبينما كانت الكاميرا ترصد أطنان المتفجرات وحجم الدمار الممنهج الذي لحق بالبنية التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية في قطاع غزة، كانت روحه تلتقط التفاصيل الدقيقة للأرواح التي تحاول النجاة. هذا المزيج الفريد منح نصوصه عمقاً وثائقياً وفنياً لا يُضاهى. فالصحافة تفرض عليه نقل الحقائق المجردة والأرقام الدامية، بينما يتيح له الشعر مساحة لتفكيك الأثر النفسي والوجداني لهذه المآسي. يوضح الشاعر في شهاداته الميدانية أن القصيدة كانت في لحظات كثيرة خط الدفاع الأخير ضد الانهيار العصبي والنفسي، ووسيلة لتأكيد أن الغزيين ليسوا مجرد أرقام في نشرات الإخبار اليومية، بل هم بشر يحبون، يحلمون، ويتألمون، ويمتلكون طاقات هائلة للإبداع إذا ما توفرت لهم أبسط مقومات الحياة.

«حب مستعار تحت الحصار»: تفكيك جغرافيا الألم بلغات العالم

يضم الإصدار الجديد 21 قصيدة موزونة، جرى الاشتغال عليها بعناية فائقة لتكون سفيرة لقضية غزة الإنسانية إلى العالم الخارجي. ولتجاوز القيود القاسية التي فرضها الحصار الشامل ونقص دور النشر والمكتبات وتدمير البنية الثقافية، حرص الشاعر على ترجمة مختارات من الديوان إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، لتصل الرسالة إلى القارئ الغربي بعيداً عن البروباغندا الموجهة. يعكس اختيار عنوان الديوان «حب مستعار تحت الحصار» رغبة واعية في خلق مساحة افتراضية للتنفس بعيداً عن مشاهد الموت والركام؛ حيث تتحول المحبوبة في الأبيات إلى رمز وأيقونة يخاطب من خلالها العالم، ويحاول من خلالها ترميم ما كسره القصف في وجدان جيل كامل. ولم تكن هذه التجربة الأولى لمحمد، فقد سبقتها مجموعة شعرية رقمية حملت عنوان «تغريدات في الحب والحرب» وضمت 45 قصيدة مزجت بين لوعة الفقد والمجازر ودفء الأمل الإنساني.

أزمة الثقافة في زمن الحرب: التحديات اللوجستية وبدائل النشر الرقمي

واجه إصدار هذا العمل تحديات لوجستية وتقنية بالغة التعقيد لا يمكن تصورها في الظروف العادية. ففي ظل انقطاع الكهرباء المستمر، وشح الوقود، وانعدام الاتصالات وشبكات الإنترنت المستقرة، وتحويل المؤسسات الثقافية و دور الطباعة إلى ركام، كان إنجاز ديوان شعري ونشره أمزح إلى المعجزة. اضطر الشاعر إلى الاعتماد على أدوات بدائية للغاية، والتوجه نحو النشر الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي والجهود الفردية لجمع وترتيب النصوص وتنقيحها وسط أصوات الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي المتواصل. هذا التحدي يبرز بوضوح حجم الإصرار لدى الجيل الشاب في غزة على عدم الاستسلام للتجهيل أو طمس الهوية الثقافية، مؤكدين أن محو الذاكرة وتدمير الحجر لن يفلحا في كسر إرادة الفكر وحق الحياة.

الذاكرة الأدبية كخط دفاع أخير ضد النسيان والتزييف

يرى النقاد والمتابعين للحركة الثقافية الفلسطينية أن الأدب المكتوب تحت الحصار والعدوان يكتسب قيمة مضاعفة؛ فهو لا يقتصر على كونه تعبيراً ذاتياً، بل يتحول إلى وثيقة تاريخية ملزمة تحمي الذاكرة الجماعية من محاولات الطمس أو التزييف. في ظل تقاعس المنظمات الدولية وعجزها عن وقف آلة الحرب، تبرز الكلمة المكتوبة والقصيدة كأداة توثيقية بديلة تتحدث للضمير العالمي بلغة عابرة للحدود. يصر محمد الشاعر على أن القصيدة تظل السلاح الأقوى للوصول إلى قلوب وعقول الشعوب التي تعبت من مشاهدة تقارير الدمار المجرّدة، لتثبت أن قطاع غزة، ورغم كل جراحه، يظل منارة تنبض بالحياة، الفن، والأمل الذي لا يكسر.

خلاصة استشرافية: إرادة البقاء والإبداع تنتصر على الرماد

في الختام، يمثل ديوان «حب مستعار تحت الحصار» للشاعر الصحفي محمد الشاعر علامة فارقة في أدب المقاومة والحصار المعاصر. إنه ليس مجرد صرخة ألم في وجه آلة الحرب الإسرائيلية، بل هو بيان إنساني يؤكد أن الثقافة والفن هما الوجه الآخر للنضال الوطني الفلسطيني. إن قدرة هؤلاء الشباب على ابتكار الجمال من رحم الرماد، ونشر دواوينهم بلغات متعددة رغم أنف الحصار، تفتح الباب أمام قراءة جديدة لمستقبل الأدب الفلسطيني؛ أدب عالمي الأفق، إنساني المضامين، صلب الجذور، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إخماد جذوته أو كسر قلمه.

ع
💡 اقرأ أيضاً للكاتب د. عبد العزيز الخالدي
لماذا تتنافس القوى العظمى على أرض متجمدة؟ وما علاقة ذلك بأسعار البنزين؟
قراءة المقال
إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

شارك الخبر:
إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار