الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية أمن الملاحة في باب المندب تحركات الحوثيين في باب المندب: ألغام وخنادق تهدد الملاحة العالمية

تحركات الحوثيين في باب المندب: ألغام وخنادق تهدد الملاحة العالمية

16 سبتمبر 2026
10:04 م
تحركات الحوثيين في باب المندب: ألغام وخنادق تهدد الملاحة العالمية

في تطور خطير يهدد أحد أهم شرايين التجارة العالمية، كشفت مصادر عسكرية مطلعة عن عمليات تحصين واسعة وحفر خنادق تنفذها مليشيا الحوثي في المرتفعات المطلة على مضيق باب المندب، إلى جانب نشر حقول ألغام بحرية مكثفة في الممر الدولي. وتأتي هذه التطورات الميدانية عقب انسحابات مفاجئة شهدتها المنطقة مؤخراً، مما منح الجماعة نفوذاً متزايداً على الشريط الساحلي للبحر الأحمر، ووضع الملاحة الدولية أمام تحدٍ غير مسبوق. ولا يتعلق الأمر هنا بمناوشات عسكرية محدودة أو مناوشات هامشية، بل بتحوّل نوعي في قواعد اللعبة داخل ممر مائي يمر عبره جزء كبير من تجارة العالم وناقلات الطاقة المتجهة من وإلى قناة السويس، ما يرفع منسوب القلق في العواصم البحرية والمراكز المالية على حد سواء.

ما الذي تكشفه التحصينات العسكرية الجديدة في الممر الحيوي؟

أوضحت التقارير الميدانية أن الأنشطة الحوثية لم تقتصر على البر، بل امتدت لتشمل زراعة ألغام بحرية تهدف إلى إعاقة أي تحركات عسكرية مضادة وتأمين مواقع السيطرة المستحدثة في مديريات الساحل الغربي وجزيرة ميون (بريم). وهذه الخطوات تعكس رغبة واضحة في فرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة، مما يضاعف المخاطر المترتبة على أمن السفن التجارية وناقلات النفط العابرة من وإلى قناة السويس.

واللافت في هذه التحصينات أنها تجمع بين نمطين متكاملين من العمل العسكري: نمط دفاعي يتمثل في الخنادق والمواقع المرتفعة المحصنة التي تصعب مهاجمتها أو انتزاعها، ونمط هجومي تعطيلي يعتمد على الألغام البحرية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، وهو مزيج يمنح الجماعة قدرة على المناورة بين التصعيد والتهدئة وفق حسابات سياسية لا عسكرية فحسب. فالمرتفعات المطلة على المضيق تمنح من يسيطر عليها خط نظر مباشراً على خطوط الملاحة، وقدرة على رصد الحركة البحرية وتوجيه الضربات أو التهديد بها دون الحاجة إلى امتلاك أسطول بحري تقليدي.

جزيرة ميون والجغرافيا الصلبة للمضيق

تكمن خطورة المشهد في طبيعة الجغرافيا نفسها؛ فمضيق باب المندب ليس ممراً واسعاً يمكن تفاديه بسهولة، بل نقطة اختناق ضيقة تفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتقسمه جزيرة ميون إلى قناتين ملاحيتين، إحداهما أعمق وأكثر استخداماً من قبل السفن الكبرى. هذه الخصوصية الجغرافية تعني أن أي تهديد مباشر أو غير مباشر داخل نطاق المضيق لا يستهدف سفينة بعينها، بل يستهدف منظومة الملاحة بأكملها ويضرب مفهوم «حرية الملاحة» في أحد أكثر مواقعه حساسية.

ومن الناحية العسكرية، يمنح الانكشاف الجغرافي للساحل الغربي والجزر المجاورة أي قوة مسيطرة قدرة على «الحرمان» لا «الاحتلال»؛ بمعنى أنها لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعلياً، بل يكفيها خلق حالة من عدم اليقين لترفع كلفة العبور وتدفع شركات الشحن إلى إعادة الحسابات، وهو ما يترجم عملياً إلى نوع من الإغلاق الاقتصادي غير المُعلن.

الانسحابات المفاجئة... قراءة في تحوّل موازين القوة

تشير المعطيات إلى أن الانسحابات المفاجئة التي شهدتها بعض المواقع مؤخراً أسهمت في إعادة ترتيب خريطة النفوذ على الشريط الساحلي، وأتاحت للجماعة توسيع دائرة سيطرتها على امتداد استراتيجي يمتد من مديريات الساحل الغربي نحو المشارف الجنوبية للمضيق. ويُقرأ هذا التحول في سياق أوسع يتضمن عدة عوامل متشابكة:

  • تراجع الغطاء العسكري: انكفاء القوات المناهضة للحوثيين عن مواقع متقدمة وترك فراغات أمنية سرعان ما مُلئت.
  • حسابات القوى الإقليمية: انشغال الفاعلين الدوليين والإقليميين بملفات متعددة، ما قلّص من فاعلية الردع الميداني.
  • توظيف التضاريس: استثمار الطبيعة الجبلية والوعرة للمرتفعات في بناء تحصينات يصعب اختراقها.
  • البُعد الاقتصادي: تحويل السيطرة الجغرافية إلى ورقة تفاوض وضغط في أي تسوية سياسية قادمة.

هذه العوامل مجتمعة تعني أن الواقع الميداني الجديد ليس عارضاً مؤقتاً، بل قد يتحول إلى معطى بنيوي يصعب التراجع عنه في المدى القصير، وهو ما يفسر حساسية التوقيت التي تتحدث عنها المصادر العسكرية.

الألغام البحرية: سلاح رخيص بأثر استراتيجي باهظ

تشكل الألغام البحرية أداة خطيرة لأنها منخفضة الكلفة نسبياً ومرتفعة الأثر، فهي لا تدمّر السفن فحسب، بل تفرض إجراءات تطهير معقدة وبطيئة، وترفع من أعباء التأمين وتكاليف الحماية، وتدفع الشركات إلى تحويل مساراتها. كما أن وجود حقول ألغام في ممر مائي دولي يخلق حالة من الغموض القانوني والأمني، إذ يصعب تحديد مسؤولية أي حادث أو ضربة بدقة، وهو ما يمنح مرتكبها غطاءً من الإنكار والمساءلة.

وإضافة إلى ذلك، فإن الألغام تفرض على القوات البحرية الدولية استنزافاً في الموارد؛ فعمليات المسح والتطهير تحتاج إلى سفن متخصصة وفرق غواصين ووقت طويل، وهو ما يجعل أي تحرك مضاد مكلفاً ومقيداً بجدول زمني غير مضمون.

تداعيات تقاطع الأزمات مع مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي

يتضاعف حجم الخطر عندما يتزامن التوتر في باب المندب مع اضطرابات مضيق هرمز، لأن ذلك يعني أن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطاً على بوابتين من أهم بوابات الطاقة والتجارة في آن واحد. وفي هذا السياق تبرز تداعيات متعددة:

  • تضييق الخناق على صادرات الطاقة العالمية نتيجة التزامن المثير للقلق بين اضطرابات باب المندب وإغلاق مضيق هرمز الإيراني.
  • قفزات محتملة في تكاليف الشحن البحري وأقساط التأمين على السفن الدولية جراء تفاقم المخاطر الأمنية.
  • زيادة الضغوط التضخمية على سلاسل الإمداد العالمية وتعطيل حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

وتجدر الإشارة إلى أن البديل التقليدي عن مسار البحر الأحمر وقناة السويس هو الطواف حول رأس الرجاء الصالح، وهو حل باهظ زمنياً ومالياً، إذ يضيف أياماً طويلة إلى مدة الرحلات ويرفع استهلاك الوقود ويؤخر مواعيد التسليم، ما ينعكس على سلاسل التوريد الصناعية التي تعمل بنظام «التوقيت الدقيق» ولا تحتمل التأخير.

كيف ينعكس هذا التصعيد على مستقبل الملاحة الدولية؟

يرى خبراء اقتصاديون واستراتيجيون أن تحويل الممرات المائية الحساسة إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية يضع الاقتصاد العالمي في مهب الريح. ومع تراجع البدائل اللوجستية المتاحة، تتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة والسلع الاستهلاكية، ما يتطلب تحركات دولية عاجلة لاحتواء التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب قبل تفاقم الأزمة.

وعلى المدى الأبعد، فإن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التجارة البحرية عبر تثبيت مسارات بديلة، وهو تغيير يصعب التراجع عنه لأنه يتحول إلى قرارات بنية تحتية واستثمارية وعقود طويلة الأجل، ويفقد الممرات التقليدية جزءاً من ميزتها التنافسية لصالح منافسين جدد.

سيناريوهات الأيام المقبلة ومسارات الاحتواء

في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأحداث في المرحلة القادمة:

  • سيناريو التهدئة الجزئية: وقف استهداف الملاحة مقابل مكاسب سياسية واقتصادية، مع الإبقاء على التحصينات كورقة ضغط مؤجلة.
  • سيناريو التصعيد المضبوط: استمرار العمليات بوتيرة متقطعة لإبقاء المخاطر مرتفعة وكلفة التأمين باهظة دون الوصول إلى إغلاق شامل.
  • سيناريو الانفجار: توسّع المواجهة عسكرياً وتعدد جبهاتها، بما يهدد الملاحة الدولية بشكل مباشر ويجبر القوى الكبرى على تدخل أوسع.

وبين هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة المجتمع الدولي على بناء ردع فعّال ومتعدد الأبعاد يجمع بين الحضور البحري، وحماية خطوط الملاحة، ومسارات دبلوماسية موازية، وضغط اقتصادي دقيق، بدلاً من الاستجابات المتأخرة التي تتعامل مع الأزمة بعد وقوعها لا قبلها.

وفي المحصلة، فإن ما يجري في المرتفعات المطلة على باب المندب وجزيرة ميون ليس حدثاً عابراً ولا تفصيلاً هامشياً في خريطة الصراع، بل هو إعادة تموضع استراتيجية قد تحدّد شكل أمن البحر الأحمر لعقود قادمة. وكل يوم يمر دون احتواء هذه التهديدات يُراكم كلفة باهظة على الاقتصاد العالمي، ويُحوّل مضيقاً عابراً للسفن إلى ساحة مواجهة مفتوحة. ولذلك يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الدبلوماسية والرّدع في إعادة المضيق إلى وظيفته الطبيعية كممر للتجارة لا كميدان للصراع، أم أن المنطقة تتجه نحو طور جديد من الفوضى الملاحية يصعب التحكم في تداعياته؟

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار
اقتصاد

لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار

أنهى مؤشر السوق السعودي جلسته على تراجع بنحو 0.5% ليستقر عند 10542 نقطة، في يوم كسر فيه مؤشر «نمو» الموازي القاعدة وربح 48 نقطة. الأرقام الكاملة للمزاد وأحجام السيولة تكشف ما لم يظهر في الصورة الكبيرة.

م. طارق المهيدب منذ 3 ساعات
ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟
سياسة

ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟

عملية عسكرية واسعة تشنها الحكومة اليمنية لاستعادة الوازعية في مارب بمشاركة 1,200 جندي وغطاء جوي أمريكي، وسط تصاعد الضحايا المدنيين وقبيل مؤتمر سلام في الرياض. فما حقيقة المعارك ولماذا هذا التوقيت؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 5 ساعات