في تطور ميداني بالغ الدلالة على مسار المواجهات في جنوب غرب اليمن، كشفت مصادر ميدانية عن مقتل قيادي حوثي بارز رفقة عدد من مرافقيه، وتدمير خمس آليات عسكرية بالكامل، إثر ضربات جوية دقيقة استهدفت تحركات الميليشيات في القطاعات الواقعة قرب مضيق باب المندب وغرب تعز. وتزامنت هذه الضربات مع تصدٍّ واسع شنّته القوات المسلحة اليمنية والقوات المشتركة لسلسلة هجمات مكثفة ومستميتة حاولت الجماعة من خلالها اختراق خطوط التماس الاستراتيجية على أكثر من محور، في واحدة من أشد حلقات التصعيد الميداني خلال الفترة الأخيرة.
ولا تبدو هذه التطورات حدثاً معزولاً، بل تأتي في سياق تراكمي تعيشه الجماعة على خطوط المواجهة الجنوبية الغربية، حيث تحوّلت محاولاتها المتكررة للتقدم إلى عمليات باهظة الكلفة، تُترجم ميدانياً إلى خسائر بشرية ومادية متلاحقة، وإلى تراجع تدريجي في قدرتها على المناورة والاستنزاف، وهو ما يمنح هذه الحلقة من المواجهات أهمية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتلامس مباشرة ملف أمن الملاحة الدولية.
باب المندب.. الجغرافيا التي تحكم المعركة
لا يمكن قراءة ما يجري في محاور كهبوب والمضاربة وغرب تعز بمعزل عن الجغرافيا التي تمنحها هذه المناطق ثقلاً استراتيجياً استثنائياً. فمضيق باب المندب، الذي يفصل الساحل اليمني عن جيبوتي وإريتريا، يُعدّ أحد أهم المعابر الملاحية في العالم، إذ يمرّ عبره جزء كبير من تجارة الطاقة والبضائع المتجهة من آسيا نحو أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
هذه الأهمية هي التي جعلت الأطراف المتحاربة في اليمن تتعامل مع السواحل الغربية والجنوبية الغربية باعتبارها منطقة نفوذ لا تقبل المساومة. فالسيطرة على أي مرتفع جبلي أو خط ساحلي في هذه المنطقة تعني عملياً القدرة على التهديد أو التأمين، وهو منطق يفسّر لماذا ظلّت تعز ولحج ساحة مواجهات مفتوحة لسنوات طويلة، ولماذا تدفع الميليشيات بمزيد من العناصر والآليات نحو هذا القطاع كلما شعرت بتراجع مواقعها.
تفاصيل الضربات: خمس آليات وقيادي ميداني
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الضربات الجوية استهدفت رتلًا من الآليات العسكرية كانت الميليشيات تستخدمه في تعزيز خطوط الإمداد الهجومية ودفع التعزيزات نحو خطوط التماس. وأسفر الاستهداف عن تدمير خمس آليات كاملة، في ضربة وُصفت بالدقيقة، إذ جاءت بعد عمليات رصد ومتابعة لتحركات تلك العناصر ومسارات إمدادها.
وفي السياق ذاته، لقي قيادي ميداني بارز مصرعه رفقة عدد من مرافقيه، وهو ما يشكّل خسارة مضاعفة للجماعة، إذ إن تصفية قيادات الصف الأول أو الثاني ميدانياً لا تعني فقط فقدان عنصر قتالي، بل تعني ارتباكاً في غرفة العمليات المحلية، وتراجعاً في القدرة على إدارة الهجمات المركّبة وتنسيقها بين المحاور المختلفة.
ويؤكد مراقبون عسكريون أن استهداف القيادات والآليات في آنٍ واحد يعكس نمطاً عملياتياً قائماً على قطع خطوط الإمداد في الوقت الذي يجري فيه استنزاف العناصر البشرية، وهو نمط يُضعف قدرة أي قوة مهاجمة على الحفاظ على زخم هجومي متواصل لفترة زمنية طويلة.
انهيار محاولات الاختراق في كهبوب والمضاربة وغرب تعز
شهدت جبهات كهبوب والمضاربة وغرب تعز مواجهات عنيفة تكللت بإفشال محاولات حوثية متكررة لاختراق المواقع الدفاعية. وتقول مصادر ميدانية إن الهجمات جاءت على موجات متتالية، اعتمدت على الزحف تحت تغطية نارية كثيفة، قبل أن تتصدّى لها القوات المسلحة والقوات المشتركة بالاشتباك المباشر والاستهداف المدفعي والجوي.
ويشير محللون عسكريون إلى أن العمليات الميدانية والجوية نجحت في تحييد خطر الهجمات المباغتة، لا سيما بعد أن لجأت الميليشيات إلى محاولات يائسة للتعويض عن خسائرها عبر استهداف مناطق مكتظة بالسكان، في مؤشر على انتقال سلوكها من منطق الهجوم العسكري المنظم إلى منطق الانتقام العشوائي.
ويُقرأ هذا الارتداد أيضاً على أنه دليل غير مباشر على إخفاق الخطط الهجومية، فالقوة التي تنجح في اختراق المواقع الدفاعية لا تحتاج إلى تحويل بوصلة نيرانها نحو الأسواق والمناطق السكنية، بينما تفعل ذلك القوة التي فقدت القدرة على تحقيق أي مكسب ميداني ملموس.
الأرقام والدلالات الميدانية في خط النار
تُظهر التطورات الأخيرة حجم الانكسارات التي تلقتها الجماعة في خاصرة الملاحة الدولية قرب باب المندب، ويمكن إيجاز أبرز المعطيات على النحو التالي:
- تدمير 5 آليات عسكرية كاملة كانت تستخدمها العناصر الحوثية في تعزيز خطوط الإمداد الهجومية.
- مصرع قيادي ميداني بارز رفقة عدد من مرافقيه بنيران الطيران والاشتباكات المباشرة.
- فشل ذريع لهجمات متتالية في جبهات كهبوب والمضاربة، تبعها لجوء العناصر المهاجمة لقصف عشوائي طال أسواقاً عامة قريبة.
- تراجع القدرة على المناورة في القطاع الجنوبي الغربي مع تصاعد الاستهداف الدقيق لخطوط الإمداد.
وهذه الأرقام، وإن بدت محدودة في ظاهرها، إلا أنها تكتسب ثقلاً مضاعفاً عند ربطها بالسياق الزمني، فالخسائر المتراكمة في جبهة واحدة تُنتج أثراً تراكمياً على الجبهات المجاورة، إذ تُجبر الجماعة على إعادة توزيع عناصرها ومواردها، وهو ما يعني إضعاف محاور أخرى وإرباك خطة العمل العسكرية العامة.
ارتداد العمليات وانعكاساتها على أمن الملاحة
تكتسب هذه المواجهات أهمية مضاعفة نظراً لقربها الجغرافي من باب المندب، الشريان الملاحي الحيوي الذي تحاول الميليشيات الحوثية استغلال جغرافية تعز ولحج للسيطرة على أطرافه أو على الأقل مضايقة الملاحة عبره. فخلال السنوات الماضية، تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة توتر أمني مباشر، ما دفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها ورفع كلف التأمين على السفن العابرة.
وقد انعكس هذا التوتر على سلاسل الإمداد الدولية، إذ أدى تفضيل عدد من الناقلين تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح إلى إطالة أمد الرحلات وزيادة كلفها التشغيلية، وهو ما ترجمته أسواق التجارة العالمية إلى ارتفاعات في كلف النقل وأسعار بعض السلع.
وفي هذا الإطار، فإن عجز الجماعة عن تحقيق أي اختراق ميداني يعكس جاهزية القوات المشتركة والقوات المسلحة اليمنية في تأمين خطوط التجارة العالمية وردع أي تهديدات عسكرية مباشرة، ويشكّل رسالة ضمنية بأن أوراق الضغط التي تحاول الجماعة استخدامها في هذا الملف لم تعد بالكفاءة نفسها.
قصف الأسواق.. قراءة في السلوك الانتقامي
لجوء العناصر المهاجمة إلى قصف أسواق عامة عقب فشلها في تحقيق اختراق ميداني ليس حدثاً عابراً، بل هو مؤشر على خلل في العقيدة القتالية يترافق مع الإحباط الميداني. فالميليشيا التي تعجز عن استهداف مواقع عسكرية محصّنة، تعمد إلى استهداف المدنيين بحثاً عن «مكسب» نفسي أو دعائي يمكن تسويقه داخلياً كردٍّ على خسائرها.
غير أن هذا السلوك، بحسب خبراء، يعمّق العزلة المحلية ويزيد من حدة الاستنفار الشعبي ضد الجماعة في مناطق تُعدّ أساساً حاضنة معارضة لها، كما أنه يوفّر مبرراً إضافياً للعمليات العسكرية المضادة التي تستهدف مصادر النيران ومخازن الذخيرة ومسارات الإمداد.
ماذا بعد انهيار الهجمات الحوثية؟ سيناريوهات المرحلة
تؤشر هذه التطورات إلى دخول المعارك في القطاع الجنوبي الغربي لمرحلة جديدة من تثبيت مواقع الدفاع والهجوم المعاكس، وسط ترجيحات بتواصل الضربات الاستباقية لتحجيم أي تحركات مستقبلية للميليشيات في جبال تعز والساحل. ويمكن تصوّر ثلاثة مسارات محتملة للمرحلة المقبلة:
- سيناريو الاستنزاف المتبادل: استمرار المحاولات الحوثية المحدودة على شكل هجمات صغيرة متفرقة، مع ردّ دفاعي فاعل يفشلها تباعاً.
- سيناريو التصعيد العشوائي: تصاعد الاستهدافات الموجهة ضد المدنيين والمنشآت الحيوية كمحاولة للتعويض عن الإخفاق الميداني.
- سيناريو الهجوم المعاكس: استثمار الانكسار الحوثي في توسيع نطاق الضربات الاستباقية وتقليم قدرات الجماعة على الإمداد والتسلل.
ويرجّح مراقبون أن يكون المسار الأقرب مزيجاً بين الاستنزاف والضربات الاستباقية، إذ لا تتوفر مؤشرات جدية على قدرة الجماعة على حشد هجوم واسع في هذا القطاع في ظل استمرار استهداف خطوط الإمداد وفقدان القيادات الميدانية.
أسئلة شائعة
- أين تركزت الضربات والهجمات الأخيرة؟ تركزت في المناطق الواقعة قرب باب المندب وغرب تعز، وتحديداً في قطاعات كهبوب والمضاربة.
- ما أبرز الخسائر التي تكبدتها الميليشيات؟ تم تدمير 5 آليات عسكرية ومقتل قيادي حوثي بارز مع مرافقيه.
- ما سبب لجوء الحوثيين لقصف الأسواق؟ جاء ذلك كعملية انتقامية يائسة عقب فشلهم المتكرر في تحقيق أي اختراق عسكري ميداني.
- ما علاقة هذه المواجهات بأمن الملاحة الدولية؟ قربها من مضيق باب المندب يجعلها عامل حسم مباشر في تأمين خطوط التجارة العالمية.
خاتمة.. معركة التأمين تسبق معركة الحسم
ما يجري في كهبوب والمضاربة وغرب تعز ليس مجرد اشتباك محلي يُضاف إلى سجل المواجهات الطويلة، بل هو حلقة في معركة أوسع عنوانها «من يملك حق التأمين في باب المندب». وبقدر ما تُظهر هذه الحلقة من هشاشة في قدرة الميليشيات على المناورة والاختراق، فإنها تُظهر في المقابل جاهزية متصاعدة للقوات المسلحة والقوات المشتركة في إدارة الدفاع والهجوم المعاكس معاً.
والأرجح أن المرحلة المقبلة ستشهد تعميقاً لنمط الاستهداف الدقيق لخطوط الإمداد والقيادات، إلى جانب استمرار المحاولات الحوثية اليائسة لخلق أزمات مدنية عبر القصف العشوائي. وفي المحصلة، يبقى المعيار الحقيقي للحكم على اتجاه المعركة هو قدرة أي طرف على فرض إرادته على الجغرافيا، وهي معادلة تبدو حتى الآن في غير صالح الجماعة، خصوصاً في خاصرة الملاحة الدولية الأكثر حساسية في العالم.