في خطوة مفاجئة أعادت رسم خريطة التحالفات في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر، أعلنت الإدارة الأمريكية رسمياً رفع العقوبات الاقتصادية والسياسية المفروضة على إريتريا منذ خمس سنوات. القرار الذي أُعلن عنه وسط تطورات إقليمية متسارع واكبتها تحولات عسكرية في باب المندب، جاء مبرراً بحماية المصالح القومية الأمريكية وتكييف السياسة الخارجية مع الواقع الميداني الجديد. غير أن هذه الالتفاتة الأمريكية نحو أسمرا لم تمر مرور الكرام، بل فتحت باباً واسعاً أمام التكهنات والتحليلات الجيوسياسية حول ما إذا كانت واشنطن تسعى لتحصين مصالحها البحرية أم أنها تفتح الباب أمام نزام إقليمي معقد قد يرتد عكسياً على استقرار المنطقة برمتها.
تأتي هذه التطورات في توقيت باللغ الحساس، حيث تتشابك خيوط السياسة الدولية مع أمن الملاحة التجارية العالمية، مما يفرض قراءة متعمقة في دوافع البيت الأبيض والردود الإقليمية المرتقبة من عواصم المنطقة، وعلى رأسها أديس أبابا. إن تتبع مسار العلاقات الأمريكية الإريترية يكشف عن تحولات دراماتيكية تحكمها المصالح البراغماتية الصرفة بعيداً عن الثبات الدبلوماسي، وهو ما يجعل هذا الملف واحداً من أكثر الملفات سخونة وتعقيداً على الطاولة الدبلوماسية الدولية اليوم.
السياق التاريخي للعقوبات وجذور الأزمة في القرن الإفريقي
تعود جذور العقوبات الأمريكية المفروضة على إريتريا إلى فترة النزاع الدموي الذي شهدته إقليم تيغراي الإثيوبي بين عامي 2020 و2022. حينها، وجدت إريتريا نفسها في خندق واحد مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء أبي أحمد لمواجهة جبهة تحرير شعب تيغراي. هذا التحالف العسكري الميداني أفرز اتهامات دولية واسعة النطاق بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مما دفع الإدارة الأمريكية في عام 2021 إلى فرض عقوبات صارمة استهدفت المؤسسة العسكرية الإريترية، وحزب "الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة" الحاكم في أسمرا، إضافة إلى كيانات اقتصادية حيوية مثل مؤسسة "البحر الأحمر للتجارة".
لم تكن تلك العقوبات سوى حلقة في سلسلة طويلة من التوترات التي طبعت تاريخ إريتريا الحديث منذ نيل استقلالها عن إثيوبيا عام 1993. فمنذ حرب الحدود الإثيوبية الإريترية (1998-2000)، دخلت أسمرا في عزلة دولية شبه مطبق فرضت عليها عقوبات أممية سابقة، قبل أن تخرج منها جزئياً باتفاق السلام التاريخي مع أديس أبابا عام 2018. بيد أن حرب تيغراي أعادت خلط الأوراق مجدداً، وجعلت إريتريا تحت مجهر العقوبات الغربية التي وصفتها الحكومة الإريترية مراراً وتكراراً بأنها غير مجدية وغير مبررة، إلى أن جاء الإعلان الأمريكي الأخير لينهي حقبة من التوتر الدبلوماسي العلني.
دوافع القرار الأمريكي وانعكاسات زلازل البحر الأحمر
بررت وزارة الخارجية الأمريكية قرار رفع العقوبات بأن "حالة الطوارئ الوطنية" التي استوجبت فرضها وتجديدها سنوياً لم تعد قائمة، فضلاً عن الحاجة الملحة لتكييف السياسة الخارجية مع الحقائق على الأرض والتعاون مع الدول الفعالة للدفع قدماً بالمصالح الأمريكية. غير أن المراقبين للشأن الإفريقي والدولي يربطون هذا التطور ارتباطاً وثيقاً بحدث جسيم تمثل في سيطرة الحوثيين على الضفة المقابلة للبحر الأحمر وتحديداً مضيق باب المندب. يمثل باب المندب شرياناً استراتيجياً لا يغنى عنه لتجارة الطاقة والعالم، لا سيما بعد تعطل أو تقييد طرق الملاحة البديلة واكتساب المضيق أهمية مضاعفة لصادرات النفط الخام الخليجية نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية.
في ظل هذا المشهد المشتعل، يبدو أن واشنطن شعرت بالحاجة الماسة لترتيب أوراقها في الخاصرة البحرية للقرن الإفريقي وإعادة بناء الجسور مع أسمرا لضمان موطئ قدم أو على الأقل تحييد أي تقاطعات سلبية قد تضر بحرية الملاحة. إن وجود موانئ إستراتيجية لإريتريا المطلة على البحر الأحمر يمنحها أهمية جغرافية لا تُقدر بثمن في معادلات الردع والتأمين البحري، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية للتعامل ببراغماتية عالية وتجاوز الملف الحقوقي المؤقت لحسابات الأمن القومي الكبرى والمرتبطة بأمن الطاقة العالمي وطرق التجارة الدولية.
الموقف الإريتروي وردود الفعل الإقليمية
تلقى الشارع والقيادة في أسمرا نبأ رفع العقوبات بارتياح بالغ وترحيب رسمي واسع. وفي تصريحات تعكس الموقف الرسمي، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني غبريسكيل العقوبات السابقة بأنها كانت مجحفة وغير مبنية على أسس عادلة، مرحباً في الوقت ذاته بـ "الإيماءة والتدابير التصحيحية" التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الحالية. هذا الترحيب يعكس رغبة أسمرا في كسر العزلة الاقتصادية والاندماج مجدداً في منظومة التجارة والتعاون الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية الجسيمة التي تعاني منها البلاد نتيجة سنوات التوتر والعقوبات.
على الطرف المقابل، يثير هذا التقارب الحذر تساؤلات عميقة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وعواصم إقليمية أخرى. فالمشهد الإثيوبي يشهد بدوره تحولات مقلقة تمثلت في سيطرة ميليشيات تيغراية وأطراف مسلحة أخرى على مطار ميكيلي في إطار تحالف سياسي وعسكري جديد يستهدف الإطاحة بحكومة أبي أحمد. المثير للاهتمام أن أسمرا، التي كانت حليفاً لأديس أبابا ضد تيغراي بين 2020 و2022، تبدو وكأنها غيرت موقعها في رقعة الشطرنج الإقليمية، مما يجعلها عرضة للصدام مجدداً مع إثيوبيا في حال اندلاع حرب إقليمية جديدة، وهو ما يضع القرار الأمريكي تحت مجهر الشكوك حول مآلاته المستقبلية.
هل ارتكبت واشنطن خطأ استراتيجياً جديداً في القرن الإفريقي؟
يطرح الخبراء والمحللون الاستراتيجيون تساؤلات مشروعة حول مدى حصافة القرار الأمريكي؛ فهل فشلت واشنطن في قراءة التعقيدات المحلية العميقة للقرن الإفريقي عندما قررت مكافأة أسمرا برفع العقوبات؟ إن الدخول في مغامرة دبلوماسية نحو إريتريا دون ضمانات واضحة بشأن تحالفاتها الإقليمية الجديدة قد يجر الولايات المتحدة إلى أتون صراع خفي تتشابك فيه مصالح قبائل وجبهات مسلحة متناحرة، مما يهدد بإجهاد الموارد الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية في منطقة لا تحتمل المزيد من عدم الاستقرار.
علاوة على ذلك، فإن التقارب مع نظام يواجه اتهامات مستمرة بسجل حقوقي معقد قد يضع الإدارة الأمريكية في حرج أخلاقي أمام حلفائها الغربيين والمنظمات الدولية. إن المخاطرة تكمن في أن التحول الأمريكي نحو أسمرا قد يثبت عزوته العكسية للمصالح الإستراتيجية على المدى الطويل، إذ قد يُفسر إقليمياً على أنه انحياز لطرف ضد آخر في معادلة صراع هشّة، مما فاقم التوتر بين أسمرا وأديس أبابا ويقوض فرص التهدئة الشاملة التي تبحث عنها القوى الدولية والإقليمية على حد سواء.
أسئلة شائعة حول القضية
- متى فُرضت العقوبات الأمريكية على إريتريا ولماذا؟ فُرضت عام 2021 من قبل إدارة الرئيس جو بايدن على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات حقوقية خلال حرب تيغراي.
- ما هي أبرز الكيانات التي شملها رفع العقوبات؟ شمل القرار المؤسسة العسكرية الإريترية، والحزب الحاكم، وشركات اقتصادية بارزة مثل مؤسسة البحر الأحمر للتجارة.
- كيف يرتبط قرار رفع العقوبات بالبحر الأحمر؟ يأتي القرار في توقيت يشهد توترات متصاعدة وسيطرة الحوثيين على باب المندب، مما دفع واشنطن لتعزيز حضورها الجيوسياسي.
- ما هو موقف إثيوبيا من هذا التقارب الأمريكي الإريتري؟ يثير التقارب قلقاً في أديس أبابا نظراً للتحولات الميدانية وتحالفات إريتريا المحتملة مع قوى معارضة للحكومة الإثيوبية.
المصدر: Agenzia Fides (بموجب ترخيص المشاع الإبداعي CC BY).