في خطوة تنذر بتصعيد غير مسبوق في الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية، تشهد العواصم الغربية حراكاً دبلوماسياً محموماً تقوده الولايات المتحدة إلى جانب الترويكا الأوروبية المكونة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا. هذا الحراك يستهدف بشكل مباشر إعادة الملف النووي الإيراني إلى واجهة الأحداث الأممية، وذلك عبر الدفع باتجاه إحالة طهران إلى مجلس الأمن الدولي لأول مرة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. ويأتي هذا التحرك وسط تعقيدات جيوسياسية بالغة الحساسية، تتداخل فيها حسابات الردع العسكري مع إخفاق المسارات الدبلوماسية المتكررة، مما يعيد الأذهان إلى الأزمة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي التاريخي عام 2015.
خلفيات وخبايا التصعيد الدبلوماسي الجديد
تعود جذور الأزمة الحالية إلى سلسلة من التطورات المتلاحقة التي رافقت الانسحاب الأمريكي الأحادي الجانب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في عام 2018، وما تلاه من تنصل تدريجي إيراني من التزاماتها بموجب الاتفاق. خلال السنوات الأربع الماضية، سجلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) خروقات متزايدة من قبل طهران، شملت رفع مستويات تخصيب اليورانيوم إلى درجات تقترب بشكل خطير من الاستخدام العسكري، وتقليص تعاون المفتشين الدوليين مع المنشآت الحساسة. المصادر الدبلوماسية تؤكد أن صبر العواصم الغربية قد نفد، خصوصاً مع توقف المفاوضات غير المباشرة في فيينا وعدم تقديم طهران إجابات مقنعة حول آثار اليورانيوم المكتشفة في مواقع غير معلنة. هذا الواقع دفعالولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين إلى صياغة استراتيجية ضغط متعددة المسارات داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية، بهدف كسر حالة الجمود الحالية وفرض واقع قانوني وسياسي جديد يعيد فرض الرقابة الأممية الصارمة.
آليات الضغط وتكتيكات مجلس المحافظين
تعتمد الحملة الغربية الحالية على أدوات ضغط مكثفة تستهدف إقناع الدول المترددة أو المتحفظة داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تضم 35 دولة. وتسعى واشنطن ولندن وباريس وبرلين إلى تحقيق الآتي:
- إقناع الدول الأعضاء في المجلس بأهمية التصعيد المتدرج لمنع إيران من عبور العتبة النووية العسكرية.
- تسريع الجدول الزمني للاجتماعات التقنية والسياسية لضمان التصويت لصالح القرار قبل نهاية الأسبوع الجاري.
- التركيز على فقدان "الثقة المتبادلة" وتراجع شفافية طهران في التعامل مع تقارير المدير العام للوكالة الدولية.
- استخدام ورقة العقوبات الاقتصادية المحتملة كأداة ضغط لثني طهران عن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية.
هذه التحركات تواجه بطبيعة الحال معارضة من بعض الدول الدائمة العضوية مثل روسيا والصين، اللتين تعتبران أي إحالة لمجلس الأمن خطوة تصعيدية غير محسوبة النتائج قد تؤدي إلى انهيار ما تبقى من قنوات الحوار الدبلوماسي مع النظام الإيراني.
التداعيات والسيناريوهات المستقبلية المحتملة
إن إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لا تقتصر دلالاتها على الجانب الرمزي، بل تفتح الباب أمامسيناريوهات خطيرة ومعقدة على المستويين الإقليمي والدولي. في حال نجاح الترويكا الأوروبية وواشنطن في تمرير القرار، سيجد مجلس الأمن نفسه أمام معضلة سياسية كبرى تتعلق بمدى القدرة على فرض عقوبات جديدة أو تفعيل آلية "الزناد" بالكامل. ورغم أن روسيا والصين تمتلكان حق الرفض (الفيتو)، إلا أن مجرد طرح القرار والنقاش حوله يمنح الغرب غطاءً قانونياً وسياسياً لتشديد العقوبات أحادية الجانب وتوسيع دائرة العزلة المالية والدبلوماسية المفروضة على طهران. من جانبها، لم تتأخر القيادة الإيرانية في التحذير من تداعيات أي خطوة من هذا القبيل، حيث توعد مسؤولون إيرانيون بـ "ردود فعل فورية وحاسمة"، قد تشمل تقليصاً إضافياً للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو اتخاذ خطوات تقنية تصعيدية في برنامج التخصيب. وفي هذا السياق، تبقى المنطقة بأسرها على صفيح ساخن، بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة في أروقة الوكالة الدولية، حيث تتحدد ملامح مرحلة جديدة من الصراع الدولي حول أسلحة الدمار الشامل واستقرار الشرق الأوسط.