تشهد الجبهات الغربية لمحافظة تعز اليمنية، الواقعة في أقصى الجنوب الغربي للبلاد، تحولات ميدانية واستراتيجية بالغة الأهمية، في ظل استمرار التصعيد العسكري الساخن الذي تقوده ميليشيات الحوثي في محاولة يائسة لتحقيق اختراق ميداني جديد. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة بعد سلسلة من الهجمات الفاشلة التي شنتها العناصر الحوثية على امتداد خطوط التماس في الريف الغربي للمحافظة، حيث اصطدمت تلك المحاولات بجدار صلب من المقاومة والدفاع المنظم من قبل القوات الحكومية المسنودة برجال المقاومة الشعبية وتنسيق عملياتي دقيق مع التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن.
وأعلنت مصادر عسكرية رسمية وميدانية متطابقة عن مصرع نحو 80 عنصراً من عناصر ميليشيات الحوثي الإرهابية، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع، من بينهم قيادات ميدانية بارزة كانت تتولى التخطيط والإشراف المباشر على العمليات الهجومية في محاور قطاع تعز الغربي. تعكس هذه الحصيلة الثقيلة من الخسائر البشرية حجم الشراسة التي اتسمت بها المعارك، والتي استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وأسفرت عن إحباط مخطط استراتيجي خطير كان يهدف إلى تغيير خريطة السيطرة الميدانية في هذه البقعة الحيوية من اليمن.
الأبعاد الاستراتيجية لموقع تعز الغربي ومعركة باب المندب
لا يمكن قراءة معارك الجبهة الغربية لمحافظة تعز بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية البالغة التي تتمتع بها هذه الجغرافية الوعرة. فمحافظة تعز، التي تُعد البوابة الرئيسية الرابطة بين العاصمة صنعاء والمحافظات الجنوبية والساحل الغربي، تمثل عقدة ارتباط لوجستية وبشرية لا غنى عنها لأي طرف يسعى لترسيخ نفوذه العسكري. وتحديداً، فإن الجبهات الغربية المطلة على الساحل تمثل الخاصرة الرخوة والهدف الاستراتيجي الدائم لميليشيات الحوثي، نظراً لقربها الجغرافي من خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي.
إن محاولات الميليشيات المستميتة للتقدم نحو الساحل والسيطرة على التباب والمواقع الحاكمة المطلة على الطرق الرئيسية تهدف بشكل مباشر إلى تهديد خطوط الإمداد العسكري والإنساني، ومحاولة فرض واقع عسكري جديد يمكنها من المساومة السياسية في أي تسويات قادمة. بيد أن الرد الحازم والاستباقي من قبل القوات المسلحة اليمنية نجح في وأد هذا المخطط في مهدها، عبر شن عمليات هجومية معاكسة أفضت إلى استعادة السيطرة على مواقع حيوية واستراتيجية كانت تحاول الميليشيات اتخاذها منطلقاً لعملياتها الإرهابية.
تكسير عظام الميليشيات ومصرع القيادات الميدانية البازرة
شهدت الساعات الماضية تداعي المنظومة القتالية لميليشيات الحوثي في محاور الاشتباك، بعد أن وقعت تلك العناصر في كمائن محكمة أعدتها القوات الحكومية. وقد أدى القصف المدفعي المتبادل والغارات المركزة والاشتباكات المباشرة من مسافات صفر إلى إحداث شلل تام في خطوط إمداد الحوثيين. وأكدت التقارير الاستخباراتية الميدانية أن من بين قتلى الهجوم الأخير قيادات ميدانية رفيعة المستوى تتولى ما يُعرف بـ "التعبئة العامة" والقيادة الميدانية للكتائب المقاتلة، وهو ما يؤكد حجم الارتباك والتخبط الذي تعاني منه قيادة الميليشيات جراء الفشل المتكرر أمام صلابة القوات الحكومية.
هذه الخسائر الكبيرة في القيادات والصفقات البشرية تمثل ضربة قاصمة لمعنويات عناصر الحوثي الذين يتم الدفع بهم إلى جبهات الموت دون غطاء حقيقي سوى الشعارات الأيديولوجية، مما يترك انعكاسات سلبية عميقة على قدرة الميليشيات على التجنيد الإجباري واستقطاب المزيد من المقاتلين في مناطق سيطرتهم، لاسيما مع تصاعد سخط القبائل المحلية جراء الزج بأبنائهم في معارك خاسرة.
التحذيرات العسكرية وحماية المدنيين في مناطق التماس
في ظل ضراوة المعارك واتساع نطاق المواجهات العسكرية، أصدرت قيادة القوات المسلحة اليمنية نداءً إنسانياً وأمنياً عاجلاً ومشدداً إلى المواطنين القاطنين في نطاق العمليات العسكرية، وتحديداً في المساحة الجغرافية الممتدة بين منطقتي البرح والحوبان والمناطق المحيطة بخطوط التماس. حذرت القيادة المدنيين بشكل قاطع من مغبة الاقتراب من المواقع، الثكنات، والتحصينات العسكرية التي تستخدمها ميليشيات الحوثي كدروع بشرية أو منصات لإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون.
وتأتي هذه الخطوة حرصاً من القيادة العسكرية على دماء المدنيين الأبرياء وتفادي وقوع ضحايا جراء طبيعة المعارك الميدانية المفتوحة التي تفرضها تصرفات الميليشيات غير المسؤولية، والتي دأبت على اتخاذ الأحياء السكنية وقريب المزارع والطرق العامة متاريس عسكرية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني والأعراف الحربية.
سيناريوهات التطورات الميدانية والآفاق المستقبلية
تضع هذه التطورات الميدانية الكبرى في غرب تعز المشهد العسكري اليمني برمته أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع وتقييم موازين القوى. ويشير الخبراء العسكريون إلى عدة سيناريوهات محتملة لما بعد هذه الهزيمة الحوثية الساحقة:
- ارتفاع حصيلة القتلى في صفوف الحوثيين إلى نحو 80 عنصراً وسط حالة من الانهيار النفسي للمقاتلين.
- مصرع قيادات ميدانية بارزة يضعف هرم القيادة الحوثية في قطاع تعز الغربي ويشل قدرتها على الهجوم.
- تحرير مواقع استراتيجية هامة وحاكمة غربي محافظة تعز يامن خطوط الساحل ويضيق الخناق على الميليشيات.
- صدور تحذيرات رسمية صارمة للمدنيين من الاقتراب من مناطق التماس العسكري تفادياً للقصف المتبادل.
- احتمالية اتساع رقعة العمليات العسكرية لتشمل قطاعات أخرى في ظل فشل خيار التهدئة غير المعلنة.
في الختام، يُظهر الصمود الأسطوري للقوات الحكومية والقبائل المساندة لها في محافظة تعز، وتكبيد ميليشيات الحوثي هذه الخسائر الفادحة، أن الخيار العسكري يظل المرتكز الأساسي لردع التعنت الحوثي. إن استمرار هذه الانتصارات الميدانية لا يعزز فقط من أمن واستقرار الساحل الغربي ومضيق باب المندب، بل يعيد رسم معادلة الردع الشاملة في اليمن، مؤكداً أن أي محاولة للعبث بالأمن الإستراتيجي للمنطقة ستصطدم بلا شك بصخرة الإرادة الصلبة للجيش الوطني والشعب اليمني التواق للسلام والاستقرار.