تشهد الجبهات الغربية لليمن في هذه المرحلة الراهنة تصعيداً عسكرياً هو الأشد والأكثر خطورة منذ سنوات، حيث تشن جماعة الحوثي ما يصفه الخبراء العسكريون والمحللون الاستراتيجيون بأنه "الهجوم الأكبر" في المنطقة، مستهدفةً بشكل مباشر تطويق مدينة تعز المحاصرة إنسانيا وجغرافياً، ضمن استراتيجية عسكرية محكمة وممنهجة تهدف إلى تأمين موطئ قدم استراتيجي بالغ الأهمية بالقرب من مضيق باب المندب الحيوي وخطوط التجارة الدولية في البحر الأحمر.
أبعاد وجذور مخطط خنق تعز الاستراتيجي
لا يمكن قراءة الأحداث الجارية في الجبهات الغربية لتعز بمعزل عن السياق التاريخي والجيوسياسي للصراع اليمني المستمر. فمنذ سنوات طويلة، تتعرض مدينة تعز - التي تُعد الثقل الديموغرافي والفكري والسياسي للجمهورية - لحصار خانق ومطبق قطع أوصالها وأثر بشكل كارثي على حياة ملايين المدنيين. واليوم، يأتي هذا التصعيد العسكري الجديد ليمثل مرحلة أكثر خطورة ضمن مخطط خنق تعز، حيث تسعى الجماعة إلى تحويل الحصار من مجرد أداة ضغط عسكري محلي إلى رافعة استراتيجية كبرى لفرض السيطرة الكاملة على الطرق الحيوية الرابطة بين المرتفعات الجبلية والسهول الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
ويشير الخبراء العسكريون إلى أن التحركات الحوثية المكثفة لا تقتصر أهدافها على تحقيق مكاسب ميدانية محدودة داخل المديريات الغربية لتعز، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية استراتيجية أوسع ترمي إلى إعادة هندسة الخريطة العسكرية في اليمن، واستغلال حالة اللاسلم واللا حرب القائمة لفرض وقائع جديدة على الأرض لا يمكن تجاهلها في حال انطلاق أي جولات تفاوضية سياسية مقبلة برعاية إقليمية أو دولية.
أهداف تتجاوز الحصار: السيطرة على خطوط الإمداد
يرى مراقبون عسكريون ومحللون استراتيجيون أن التصعيد الحوثي الأخير يحمل أبعاداً تتجاوز بكثير مجرد محاولة الضغط الميداني التقليدي داخل مسرح عمليات تعز، حيث تتلخص الأهداف الخفية والمعلنة لهذا الهجوم الواسع النطاق في النقاط التالية:
- تعزيز السيطرة على خطوط الإمداد الساحلية: إحكام القبضة على الشرايين الرئيسية الرابطة بين مدينة تعز ومحافظة الحديدة ومينائها الاستراتيجي، لضمان تدفق التعزيزات العسكرية ومنع أي محاولات لفك الحصار.
- الاقتراب من الممرات المائية الدولية: السعي المحموم للسيطرة على مناطق قريبة من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لتعزيز أوراق الضغط السياسي والعسكري واستخدام الورقة البحرية كأداة ابتزاز إقليمية ودولية.
- استنزاف القوات الحكومية: اعتماد تكتيك فتح جبهات قتالية متعددة ومتزامنة لإرهاق التشكيلات العسكرية للشرعية وقوات المقاومة الوطنية، وتشتيت جهودها الدفاعية والهجومية.
- فرض شروط تفاوضية قاسية: محاولة تحقيق اختراق ميداني كبير يمنح الجماعة تفوقاً تفاوضياً غير مسبوق في أي تسوية سياسية شاملة مقبلة.
التداعيات الأمنية الإقليمية وتهديد خطوط الملاحة الدولية
يضع هذا التصعيد العسكري الخطير الملف اليمني بأسره أمام منعطف جيوسياسي بالغ الحساسية، خاصة مع الترابط الوثيق بين العمليات البرية في الجبهات الغربية لتعز وأمن الملاحة العالمية في باب المندب وجنوب البحر الأحمر. إن أي محاولة للاقتراب من هذه الممرات الاستراتيجية تعيد التوتر الأمني إلى واجهة الأحداث الإقليمية والدولية، وتثير مخاوف جدية لدى المجتمع الدولي من انهيار التهدئة الهשה التي رعتها الأمم المتحدة طوال الفترة الماضية.
وتؤكد التقارير الاستخباراتية والتحليلات العسكرية أن هذا الهجوم يأتي في توقيت إقليمي ودولي شديد التعقيد، مما يعكس رغبة واضحة لدى قيادة الجماعة في توظيف الأزمات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة لخدمة أجندتها الخاصة، متجاهلة التداعيات الإنسانية المدمرة التي ستلحق بملايين المدنيين المحاصرين في تعز والمحافظات المجاورة.
سيناريوهات المستقبل والدروس المستفادة
في ظل المعطيات الميدانية الحالية، تتعدد السيناريوهات المحتملة لتطورات الأوضاع في الجبهات الغربية لتعز، تراوح بين:
- سيناريو المواجهة الشاملة: فشل الهجوم الحوثي تحت ضربات القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مما يؤدي إلى تثبيت خطوط الدفاع الحالية وإحباط مخطط الخنق.
- سيناريو الاستنزاف الممتد: دخول الجبهة في مرحلة طويلة من المعارك الكر والفر دون حسم عسكري حاسم لأي من الطرفين، مع تفاقم الأزمة الإنسانية.
- سيناريو التدخل الدولي الردعي: تصاعد المخاوف الدولية على أمن الملاحة في باب المندب، مما قد يدفع الأطراف الدولية الفاعلة للتدخل عسكرياً أو دبلوماسياً لاحتواء التصعيد.
خلاصة استشرافية جامعة: يظل الموقف في تعز ومضيق باب المندب بمثابة "رمانة الميزان" للصراع اليمني برمته؛ فإما أن تنجح القوى الوطنية في كسر طوق الحصار وإحباط المخطط الحوثي الأكبر، أو تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى والتهديدات المستمرة لأمن التجارة العالمية، مما يحتم على المجتمع الدولي والحكومة الشرعية إعادة تقييم الحسابات الاستراتيجية والتعامل مع هذا التهديد بجدية وحزم غير مسبوقين.