في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في التعاطي مع واحد من أعقد الملفات الإنسانية والأمنية في الشرق الأوسط، تقف الحكومة العراقية على عتبة إغلاق مخيم الهول نهائياً، وذلك بعد نجاحها في إعادة وتأهيل أكثر من 21 ألف نازح عراقي إلى ديارهم الأصلية في ظروف آمنة ومستقرة. يأتي هذا التطور النوعي ليتوج جهوداً مضنية بذلتها وزارة الهجرة والمهجرين بالتنسيق مع الجهات الأمنية والاستخبارية والمجتمعية، في مسعى حثيث لطي صفحة النزوح التي خلفتها سنوات الإرهاب والحروب، وفتح أفق جديد للاستقرار المجتمعي في المدن المحررة.
خلفية جغرافية وتاريخية: رحلة العذاب في مخيم الهول
يقع مخيم الهول في الأراضي السورية وتحديداً في ريف محافظة الحسكة الشرقي، وقد تحول على مدار سنوات طويلة إلى ما يشبه "القنبلة الموقوتة" أو المدينة المعزولة التي تضم عشرات الآلاف من الأشخاص، بينهم عائلات مرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي، إلى جانب لاجئين سوريين وعراقيين فروا خلال العمليات العسكرية التي انطلقت بين عامي 2014 و2017. بالنسبة للعراق، كان ملف مواطنيه في مخيم الهول يشكل تحدياً أمنياً واجتماعياً وإنسانياً هائلاً، نظراً للبيئة المتطرفة التي كانت تسود المخيم والمحاولات المستمرة لتصدير الفكر المتطرف، ناهيك عن الظروف الإنسانية القاسية التي تعاني منها العائلات والأطفال داخل خيام غاب عنها أبسط مقومات الحياة الكريمة.
الاستراتيجية الوطنية لإعادة الدمج والتأهيل
لم تقتصر خطوة الحكومة العراقية على مجرد نقل العائدين جغرافياً، بل ارتكزت على استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد تهدف إلى إعادة الدمج النفسي والاجتماعي. وقد تضمنت هذه الخطة مسارات دقيقة تشمل:
- التدقيق الأمني الشامل لكل فرد وعائلة للتأكد من خلو ملفاتهم من أي تورط في أعمال إرهابية أو دموية.
- إنشاء وتجهيز مركز "جدعة" للتأهيل النفسي والمجتمعي، والذي يعد المحطة الانتقالية الأساسية لإعادة تأهيل العائدين وكسر حاجز التطرف.
- تقديم الدعم النفسي والاجتماعي المكثف للأطفال والنساء الذين تعرضوا لعمليات غسيل دماغ وتأثروا بالبيئة المشحونة داخل المخيم.
- توفير الخدمات الأساسية من رعاية صحية وتعليمية وخدمات إغاثية فورية بمجرد وصول العائدين إلى مناطقهم الأصلية.
نجاح أمني ميداني بلا خروقات
أكدت التقارير الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية أن عمليات النقل والتأهيل التي شملت أكثر من 21 ألف مواطن عراقي جرت في ظل استقرار أمني كامل، ودون تسجيل أي خروقات أو حوادث أمنية تذكر. يعكس هذا النجاح الميداني مستوى عالياً من التنسيق والاحترافية بين القوات الأمنية بمختلف صنوفها والوزارات الخدمية المعنية. إن تأمين قوافل العائدين وحمايتهم منذ لحظة خروجهم من المخيمات السورية وحتى استقرارهم في قراهم ومناطقهم الأصلية في المحافظات العراقية المختلفة، يثبت قدرة الدولة العراقية على إدارة الأزمات الكبرى بمرونة وكفاءة عالية.
التداعيات الإيجابية وآفاق المستقبل
إن قرب الإغلاق النهائي لمخيم الهول بالنسبة للعراق يمثل إنجازاً استراتيجياً يتجاوز الأبعاد المحلية ليترك صدى إيجابياً على الأمن الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد المحلي، يسهم هذا التطور في تعزيز السلم الأهلي وإغلاق الأبواب أمام أي محاولات لإحياء الخلايا الناائمة عبر استغلال ملف النازحين. أما على الصعيد الإنساني، فيعني إنهاء معاناة آلاف الأطفال والنساء الذين عانوا الأمرين لسنوات طويلة بعيداً عن مقاعد الدراسة والحياة الطبيعية. وفي ختام هذا المسار، تؤكد الحكومة العراقية التزامها التام بإغلاق هذا الملف الإنساني الشائك بشكل كامل، مستندة إلى رؤية استشرافية ترتكز على سيادة القانون، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء الإنسان والمكان، بما يضمن عدم تكرار مآسٍ الماضي ويؤسس لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً للأجيال القادمة.