دخلت الأزمة اليمنية منعطفاً ميدانياً وشديد الخطورة، ألقى بظلاله الثقيلة على المشهد الميداني والسياسي، مع اتساع رقعة المواجهات العسكرية المسلحة واشتعال فتيل المعارك البرية في الجبهات الغربية لمحافظة تعز وعلى امتداد الشريط الساحلي للساحل الغربي الممتد نحو باب المندب والبحر الأحمر. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة لتنهي حالة من التهدئة الهشة والهدوء النسبي الذي خيّم على تلك المحاور الحيوية خلال الأشهر الماضية، مفسحة المجال لموجة جديدة من التصعيد العسكري العنيف الذي استُخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بما فيها المدفعية البعيدة المدى والغارات المسيرة، مما يضع البلاد أمام مشهد أمني معقد يهدد بإعادة إشعال المواجهات الشاملة على أكثر من جبهة.
تفكيك الخارطة الميدانية: لماذا تعز والساحل الغربي الآن؟
تكتسب الجبهات الغربية لمحافظة تعز، والتقاؤها مع خطوط التماس في الساحل الغربي، أهمية استراتيجية بالغة في الحسابات العسكرية لكافة الأطراف المتصارعة. وتتوزع المواجهات الأخيرة في محاور حيوية تشمل مناطق مقبنة، وجبل حبشي، والكدحة، وصولاً إلى أطراف مديرية المخاء والشرج. وتنبع القيمة الجيو-عسكرية لهذه المناطق من كونها نقطة الارتكاز التي تتحكم في خطوط الإمداد وشرايين الحياة البرية التي تربط بين العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الوسطى والغربية.
ويرى خبراء ومحللون عسكريون أن تركيز العمليات العسكرية في هذه المناطق يهدف بالأساس إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية وميدانية:
- السيطرة على المرتفعات الحاكمة: تسعى الأطراف المتصارعة للتمركز في التباب والمواقع الجبلية الاستراتيجية المطلة على الطرق الرئيسية لفرض سيطرة نارية على تحركات الطرف الآخر.
- تأمين وتطويق منافذ البحر الأحمر: يمثل القرب الجغرافي للساحل الغربي من مضيق باب المندب الشريان الأكثر أهمية في هذه المعركة، حيث يسعى كل طرف لتعزيز نفوذه المحاذي للملاحة الدولية.
- فصل وتشتيت القوات: محاولة فرض واقع ميداني جديد يقطع خطوط التواصل والتنسيق بين التشكيلات العسكرية المرابطة في الساحل الغربي والمقاومة في داخل مدينة تعز المحاصرة.
- إعادة صياغة خارطة النفوذ: استغلال أي ثغرة أمنية لتحسين المواقع التفاوضية والميدانية قبيل أي استحقاقات سياسية مرتقبة.
أسلحة ثقيلة وتكتيكات الاستنزاف: أبعاد التصعيد الأخير
وفقاً لمصادر ميدانية مطّلعة، فإن جولة الصراع الراهنة لم تقتصر على الاشتباكات المباشرة بالأسلحة الخفيفة ومتوسطة المدى، بل شهدت دفعاً بكتائب وتعزيزات عسكرية نوعية شملت الدبابات، والمدفعية الثقيلة، والراجمات الصاروخية، إضافة إلى الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة لاستطلاع وتنسيق الضربات الاستباقية. وقد أدى هذا التطور إلى تحول المواجهات من اشتباكات تكتيكية محدودة إلى معارك استنزاف واسعة النطاق تستهدف التحصينات الدفاعية ومخازن السلاح الاستراتيجي.
وتشير المعلومات الميدانية إلى أن التكتيكات العسكرية المتبعة في هذه الجولة تعتمد بشكل أساسي على القصف المدفعي المتبادل بين خطوط التماس، يعقبه محاولات تسلل محفوفة بالمخاطر نحو المواقع المتقدمة. ويهدف هذا النمط العسكري إلى إرباك الجبهات الخلفية ومنع الطرف المنافس من ترتيب أوضاعه أو حفر تحصينات دقيقة، مما جعل خطوط التماس في حالة سيالة وتغير مستمر دون حسم نهائي لجهة بعينها.
الكلفة الإنسانية المترتبة: تفاقم معاناة السكان والممرات الحيوية
لا تتوقف تداعيات هذا التصعيد العسكري عند حدود الخسائر المادية والعسكرية للمتقاتلين، بل تنعكس بصورة مباشرة ومأساوية على الحياة اليومية لآلاف المدنيين القاطنين في القرى والبلدات المتاخمة لمناطق الاشتباك. فقد تسببت المعارك الراهنة والقصف العشوائي القريب من الأحياء السكنية في إحداث موجة نزوح جديدة للعائلات التي تركت منازلها ومزارعها طلباً للأمان في مناطق أكثر إشعاعاً للاستقرار.
وت تتلخص الأبعاد الإنسانية الحادة للأزمة الراهنة في النقاط التالية:
- تعطيل حركة التجارة والمدنيين: أدى اشتعال المواجهات بالقرب من الطرق البديلة والفرعية إلى شلل شبه تام في حركة نقل البضائع والمواد الغذائية بين المحافظات الجنوبية والوسطى.
- اتساع خطر الألغام: تسببت إعادة تموضع القوات والتحركات الجديدة في زرع وتنشيط مناطق ألغام واسعة، مما يشكل تهديداً دائم الأثر على رُعاة الماشية والمزارعين.
- مضاعفة حصار تعز: تزيد هذه المعارك من صعوبة فتح أي منافذ إنسانية جديدة لمدينة تعز التي تعاني أساساً من حصار مشدد وإغلاق للطرق الرئيسية منذ سنوات طويلة.
أبعاد الجيو-سياسية والمسار السياسي المتعثر
يرتبط التصعيد الميداني في تعز والساحل الغربي ارتباطاً وثيقاً بجمود المسار السياسي الإقليمي والدولي الخاص بالأزمة اليمنية. فمع تعثر القنوات الدبلوماسية وسداد آفاق الحل الشامل، تلجأ القوى الفاعلة على الأرض إلى تحريك الملف الميداني كوسيلة لضغط أقصى ولانتزاع مكاسب تفاوضية جديدة أو فرض أوراق قوة أمام الوساطات الأمولية والدولية.
كما أن هذا التصعيد يتزامن مع التوترات العاصفة التي تشهدها المنطقة الإقليمية والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. وتنظر القوى التحليلية إلى معارك الساحل الغربي بوصفها امتداداً لصراع الإرادات ولعبة النفوذ على الشواطئ والممرات المائية الحيوية، حيث يسعى كل طرف لإثبات قدرته على التأثير المباشر في أمن الملاحة الإقليمية والدولية أو حمايتها.
سيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه بوصلة المواجهات؟
في ظل المعطيات الميدانية والتحشيد العسكري المستمر، يقف اليمن أمام عدة سيناريوهات محتملة لتطورات الأوضاع في جبهات تعز والساحل الغربي:
- السيناريو الأول (استمرار حرب الاستنزاف): وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر المواجهات على شكل كَرّ وفرّ وقصف مدفعي متقطع دون تغيير جذري في خارطة السيطرة، بهدف إبقاء الجبهات مشتعلة واستنزاف قدرات الخصم.
- السيناريو الثاني (الانفجار الشامل): تحول هذه المعارك إلى هجوم واسع النطاق يهدف إلى حسم السيطرة على خطوط الإمداد وقطع التواصل بين تعز والساحل، مما يدفع نحو اندلاع مواجهات شاملة تلتهم كافة جبهات البلاد.
- السيناريو الثالث (التهدئة الاضطرارية): نتاج تدخل ضغوط دولية وإقليمية مكثفة لإعادة فرض التهدئة ووقف إطلاق النار تجنباً لتفاقم الكارثة الإنسانية ولتأمين حركة التجارة البحرية.
رؤية سارد نيوز: حافة الهاوية وضبابية المشهد
تؤكد التطورات العسكرية المتسارعة في غرب تعز والساحل الغربي أن الأزمة اليمنية لا تزال قابلة للاشتعال في أي لحظة، وأن حالة الهدوء التي سادت مؤخراً لم تكن سوى استراحة محارب مؤقتة. إن خطورة هذه الجولة تكمن في مساسها المباشر بشرايين اقتصادية وإنسانية جغرافية لا تحتمل المزيد من الاهتزازات. وبينما تتواصل التحشيدات وتتسع رقعة النار، يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف والضحية الأولى لهذا الصراع المستمر، مما يتطلب موقفاً دولياً أكثر حزماً لفرض السلام وفتح الممرات الإنسانية قبل خروج الأوضاع عن السيطرة بشكل كامل.