الرئيسية اقتصاد اقتصاد وأعمال الطاقة المنزلية اليمن يتجه إلى الحطب بديلاً للغاز: أزمات طاقة، صحة وبيئة

اليمن يتجه إلى الحطب بديلاً للغاز: أزمات طاقة، صحة وبيئة

06 سبتمبر 2026
03:00 ص
اليمن يتجه إلى الحطب بديلاً للغاز: أزمات طاقة، صحة وبيئة

في ظل تفاقم أزمة الطاقة في اليمن، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تظل إمداداته غير مستقرة بسبب النزاعات المستمرة وتدهور البنية التحتية. وفقاً لتقارير وزارة الطاقة اليمنية، انخفضت إمدادات الغاز بنسبة تقارب 45٪ خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، ما دفع أكثر من نصف الأسر في المناطق الحضرية والريفية إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة. أحد أبرز هذه البدائل هو الحطب، الذي أصبح الآن المصدر الرئيسي لتشغيل مواقد الطهي في عدد متزايد من المنازل.

خلفية تاريخية للطاقة في اليمن

منذ استقلال اليمن في عام 1990، ارتكزت سياسات الطاقة على الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، خاصة الغاز المسال (LPG) الذي يُستورد من دول الخليج. ومع تفجر الصراع المسلح منذ 2014، تعطلت خطوط الإمداد وتعرضت موانئ الاستيراد للغارات، ما أدى إلى نقص حاد في إمدادات الغاز. في عام 2020، أطلقت الحكومة برنامج "الغاز للجميع" لتوسيع شبكة الأنابيب، إلا أن التنفيذ ظل محدوداً بسبب نقص التمويل والظروف الأمنية.

الأسباب والدوافع وراء التحول إلى الحطب

يتعدد الدافع وراء اللجوء إلى الحطب في اليمن، ويمكن تلخيصه في أربعة محاور رئيسية:

  • انقطاع إمدادات الغاز المتكرر نتيجة النزاعات والقيود على الموانئ.
  • ارتفاع أسعار القنينة الغازية إلى ما يقارب 150,000 ريال يمني للقرعة الواحدة في بعض المحافظات.
  • صعوبة الحصول على تمويل أو قروض لشراء الغاز بسبب ضعف النظام المصرفي.
  • توفر الحطب في المناطق الريفية، حيث يُجمع من الغابات القريبة أو يُشتري بأسعار رمزية.

في محافظة حضرموت، على سبيل المثال، أظهر مسح ميداني أجرته منظمة "الطاقة للجميع" أن 68٪ من الأسر التي كانت تعتمد على الغاز انتقلت إلى الحطب خلال عام 2023. وتُظهر البيانات أن هذا التحول لا يقتصر على الريف فقط؛ بل يمتد إلى الأحياء الفقيرة في صنعاء وعدن.

التأثيرات الصحية والبيئية

على الرغم من أن الحطب يُعَدّ بديلاً اقتصادياً، إلا أن له تداعيات سلبية واضحة على الصحة العامة والبيئة. تشير دراسة صادرة عن جامعة صنعاء إلى أن مستويات الجسيمات الدقيقة (PM2.5) داخل المنازل التي تُستخدم فيها مواقد الحطب ارتفعت إلى أكثر من 200 µg/m³، وهو ما يتجاوز الحد الآمن الذي تحدده منظمة الصحة العالمية (10 µg/m³). هذا الارتفاع يرفع من مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال والنساء اللواتي يقضين ساعات طويلة في المطبخ.

من الناحية البيئية، يساهم جمع الحطب في تدهور الغطاء النباتي. وفقاً لتقارير الصندوق العربي للبيئة، فقد تم قطع ما يقارب 150,000 شجرة سنوياً لتلبية الطلب المتزايد على الحطب، ما يسرّع عملية التصحر ويقلل من قدرة الأراضي على احتجاز الكربون.

ردود فعل الحكومة والجهات الدولية

أعربت وزارة الطاقة اليمنية عن قلقها إزاء الاعتماد المتزايد على الحطب، مؤكدةً أن الحكومة تعمل على توسيع شبكة الغاز وتوفير دعم مالي للأسر المتضررة. في بيان رسمي صُدر في مارس 2024، أعلنت الوزارة عن برنامج "غاز للجميع" الذي يهدف إلى توصيل الغاز إلى 500,000 منزل بحلول نهاية العام، مع تقديم قسائم شراء للغاز بقيمة 30,000 ريال يمني للأسر ذات الدخل المحدود.

من جانبها، تدعو المنظمات الإنسانية مثل الصليب الأحمر اليمني إلى توعية المواطنين بطرق الطهي الآمنة وتوفير بدائل طاقة نظيفة، مثل الأفران الشمسية أو المواقد ذات الكفاءة العالية التي تقلل من انبعاثات الدخان. كما قدمت منظمة "أكشن إنرجي" تمويلاً لتدريب النساء في مناطق عدن على تصنيع مواقد حطب محسّنة تقلل استهلاك الحطب بنسبة تصل إلى 40٪.

التحليل الاقتصادي والاجتماعي

تُظهر البيانات أن الأسر التي تعتمد على الحطب توفر ما بين 30٪ إلى 45٪ من ميزانية الطاقة الشهرية مقارنةً بأولئك الذين لا يزالون يستخدمون الغاز. ومع ذلك، فإن هذا التوفير يأتي على حساب صحة أفراد الأسرة وتدهور البيئة. في المناطق الحضرية، يُظهر استبيان أجرته جامعة عدن أن 72٪ من الأسر التي تحولت إلى الحطب أبلغت عن زيادة في حالات السعال والربو بين الأطفال.

من الناحية الاجتماعية، يُعَدّ جمع الحطب نشاطاً يستهلك وقتاً طويلاً، خاصةً للنساء والشباب، ما يقلل من فرص التعليم والعمل. في محافظة حضرموت، أظهر تقرير للمنظمة غير الحكومية "التمكين للمرأة" أن الفتيات اللواتي يشاركن في جمع الحطب يقضين ما يقارب 4 ساعات يومياً بدلاً من حضور المدارس.

آفاق المستقبل والسيناريوهات المحتملة

إذا استمرت الأزمة الحالية دون تدخل فعال، من المتوقع أن يرتفع اعتماد الحطب إلى ما فوق 80٪ من الأسر اليمنية بحلول عام 2026، ما سيؤدي إلى تفاقم مشاكل الصحة العامة وتدهور الغابات. بالمقابل، فإن تنفيذ برنامج "غاز للجميع" وتوسيع الدعم الدولي للطاقة المتجددة قد يحد من هذا الاتجاه. من بين السيناريوهات المقترحة:

  • سيناريو التحول السريع: توصيل الغاز إلى 1 مليون منزل بحلول 2025 مع دعم تمويلي للغاز.
  • سيناريو الطاقة المتجددة: توزيع 200,000 موقد شمسي في المناطق الريفية لتقليل الاعتماد على الحطب.
  • سيناريو الاستمرار في الأزمة: استمرار نقص الغاز وزيادة أسعار الحطب، ما يؤدي إلى تدهور صحي وبيئي أكبر.

تُظهر التجارب في دول مثل إندونيسيا ونيجيريا أن الجمع بين تحسين البنية التحتية للغاز وتوعية المجتمع حول مخاطر الحطب يمكن أن يحد من الاعتماد على الوقود غير النظيف. لذا، فإن اليمن بحاجة إلى نهج شامل يجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، الدعم الإنساني، وتعزيز الوعي.

خاتمة وتوصيات

إن الاعتماد المتزايد على الحطب في اليمن ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو نتيجة لتقاطع عدة عوامل: النزاع المستمر، ضعف البنية التحتية للطاقة، والضغط الاقتصادي على الأسر. لتجاوز هذه الأزمة، توصي "سـارد نيوز" بما يلي:

  • تسريع تنفيذ برنامج "غاز للجميع" وتخصيص موارد دولية لتغطية الفجوة التمويلية.
  • توسيع برامج التدريب على مواقد الحطب ذات الكفاءة العالية لتقليل الانبعاثات.
  • إطلاق حملات توعية صحية تستهدف النساء والأطفال حول مخاطر الدخان المنزلي.
  • تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، خصوصاً الألواح الشمسية والمواقد الشمسية.
  • إجراء مراقبة دورية للغابات وتطبيق سياسات حماية بيئية لمنع إزالة الغابات غير المستدامة.

إن اتخاذ خطوات سريعة ومتكاملة سيحد من تدهور الوضع الصحي والبيئي، ويعيد للأسر اليمنية الأمان الطاقي الذي تحتاجه للعيش بكرامة.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا ترفض أيرلندا مواجهة إسرائيل؟ اليويفا يوضح الموقف
رياضة

لماذا ترفض أيرلندا مواجهة إسرائيل؟ اليويفا يوضح الموقف

دعا مدرب أيرلندا هالغريمسون الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) لتجنب جدولة مباريات الفريق ضد إسرائيل مستقبلاً، في خطوة تعيد فتح ملف الأمن السياسي في البطولات القارية. ما هي المعايير التي يعتمد عليها اليويفا في مثل هذه الحالات، وهل سيتغير جدول دوري الأمم؟

سـارد نيوز منذ 6 ساعات
مساعد وزير الدفاع اليمني: لماذا «فجر اليمن» مختلفة تماماً عن المعارك السابقة؟
سياسة

مساعد وزير الدفاع اليمني: لماذا «فجر اليمن» مختلفة تماماً عن المعارك السابقة؟

مساعد وزير الدفاع اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمثل تحولاً استراتيجياً وتكتيكياً غير مسبوق في مسار الحرب، معتمداً على دقة التخطيط والاستخبارات بدلاً من العشوائية.

د. عبد العزيز الخالدي منذ 6 ساعات
ما حقيقة سيطرة الحكومة اليمنية على باب المندب وهجومها على صنعاء؟
سياسة

ما حقيقة سيطرة الحكومة اليمنية على باب المندب وهجومها على صنعاء؟

أعلنت القوات الحكومية اليمنية عن سيطرتها الكاملة على ممر باب المندب الاستراتيجي، وشرعت فوراً في شن هجوم على العاصمة صنعاء. ما هي الدوافع وراء هذا التحرك المفاجئ، وكيف سيؤثر على مسار الصراع اليمني؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 6 ساعات
الإرياني: استعادة مضيق المندب ضرورة سيادية.. وكواليس ربط الحوثيين للمصالح بإيران
سياسة

الإرياني: استعادة مضيق المندب ضرورة سيادية.. وكواليس ربط الحوثيين للمصالح بإيران

كشفت الحكومة اليمنية عن استراتيجية دفاعية جديدة لحماية السيادة البحرية، مؤكدة أن استعادة السيطرة على مضيق المندب هي خط الدفاع الأول. ما هي الأبعاد الجيوسياسية لهذا التحرك، وكيف أثّر تدخل الحوثيين على الاقتصاد الوطني؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 12 ساعة