في ظل المشهد اليمني المعقد والمتشابك، تتواصل التحذيرات السياسية والأمنية من مغبة الاستمرار في السياسات الأحادية التي تفاقم من معاناة ملايين المدنيين. وفي هذا السياق، برزت التصريحات الهامة التي أدلى بها وزير الداخلية اليمني علي عبد الله العليمي، والتي حملت في طياتها قراءة استراتيجية عميقة لمستقبل الصراع وتوازنات القوى على الأرض، مسلطة الضوء على ما وصفه بـ "الأخطاء الحسابية القاتلة" التي ترتكبها جماعة الحوثي على الصعيدين العسكري والاقتصادي، والتي قد تقود في نهاية المطاف إلى انهيار وتصدع شامل في هيكل سلطتهم القائمة.
قراءة في عمق الأزمة: قراءة العليمي لمآلات السياسات الحوثية
تستند تحذيرات وزير الداخلية اليمني إلى معطيات ميدانية واقتصادية دقيقة تعكس حالة التخبط التي تعاني منها قيادات الجماعة. فحسب القراءات الاستراتيجية للوضع اليمني، تتعامل القيادات الحوثية مع الصراع بمنطق الهيمنة المطلقة دون اعتبار للتكلفة الاقتصادية والاجتماعية الباهظة التي يتحملها المواطن في مناطق سيطرتهم. وأشار العليمي إلى أن الاعتماد المفرط على الخيارات العسكرية البحتة، واستنزاف مقدرات الدولة في حروب عبثية، وتجفيف منابع الاقتصاد المحلي، كلها عوامل تساهم بشكل مباشر في تآكل الحاضنة الشعبية للجماعة وتوسيع فجوة السخط المجتمعي، وهو ما يمهد الطريق نحو سقوط حتمي لا رجعة فيه.
انهيار الخطط العسكرية وتآكل القدرات الميدانية
شهدت الجبهات القتالية في اليمن تحولات استراتيجية ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، حيث تواجه العمليات العسكرية الحوثية إخفاقات متتالية نتيجة صلابة المقاومة والدعم المستمر من التحالف العربي بقيادة السعودية. وفي هذا السياق، أوضح العليمي أن الخطط العسكرية للحوثيين باتت مبنية على حسابات خاطئة تماماً لردود فعل الشرعية والمجتمع الدولي. وتتضمن هذه الأخطاء العسكرية:
- التقدير الخاطئ لقدرة القوات الحكومية على الصمود والتكيف مع أساليب الحرب المختلفة.
- الاعتماد على إمدادات غير مستدامة وميليشيات غير منضبطة عقائدياً ومؤسسياً.
- تجاهل التغيرات الجيوسياسية الإقليمية والدولية التي باتت تضيق الخناق على التحركات العسكرية للحوثيين.
- الاستنزاف المستمر للعتاد البشري والعسكري في جبهات خاسرة دون تحقيق أي مكاسب استراتيجية تذكر.
هذا الفشل العسكري المتراكم يضع القيادة الحوثية تحت ضغوط غير مسبوقة، مما ينذر بانفجارات وشيكة داخل البنيان العسكري للجماعة.
الحصار المالي والعقوبات الدولية: الخنق الاقتصادي كمسمار في نعش الجماعة
لا يقتصر الضغط على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل المنظومة الاقتصادية والمالية التي تعتمد عليها جماعة الحوثي في تمويل عملياتها. وتلعب العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية دوراً محورياً في تقويض قدرة الجماعة على الوفاء بالتزاماتها تجاه عناصرها والمناطق الخاضعة لسيطرتها. ولفت وزير الداخلية إلى أن تجفيف منابع التمويل غير الشرعية وقطع طرق التهريب، إلى جانب العقوبات المفروضة على قيادات بارزة، قد أدت إلى شلل شبه تام في الموارد المالية للحوثيين. هذا الواقع الاقتصادي المتردي يغذي حالة الغضب الداخلي ويضعف قدرة القيادة على شراء الولاءات، وهو ما يُعد مؤشراً حاسماً على قرب السقوط الشامل.
التصدع الداخلي وصراع الأجنحة: هل يقترب موعد الانهيار من الداخل؟
أحد أبرز النقاط التي ركز عليها علي عبد الله العليمي هو الاحتمال المتزايد لحدوث انقسام داخلي عميق في صفوف الحوثيين. فعندما تتعرض أي منظومة سلطوية لضغوط عسكرية واقتصادية متزامنة، تبدأ الصراعات الباطنية والأجنحة المختلفة في التصارع على الغنائم المتبقية أو للهروب من المسؤولية الجنائية والتاريخية عن الفشل. وتشير التقارير الاستخباراتية والميدانية إلى وجود تيارات متصارعة داخل الجماعة، بين جناح متشدد يرفض أي تسوية سياسية، وجناح براغماتي أدرك عبثية الاستمرار في المواجهة. هذا التآكل البنيوي والانقسام القيادي يمثلان القشة التي تقصم ظهر البعير، ويجعل الكيان الحوثي هشاً وعرضة للتداعي عند أي هزة قوية.
دور التحالف الشرعي والدعم الدولي في حسم المعركة
أكد وزير الداخلية اليمني على ثبات الموقف الرسمي للشرعية اليمنية واستمرار الشراكة الاستراتيجية مع التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. ويشكل هذا التحالف الدعامة الأساسية لاستعادة مؤسسات الدولة ومنع تثبيت المشروع الحوثي الإيراني في المنطقة. وأوضح العليمي أن الدعم الدولي المتنامي لتقوية الجبهة الداخلية اليمنية يعزز من فرص استغلال أي خطوة خاطئة يرتكبها الحوثيون، لتحويلها إلى نقطة انطلاق لعملية تحرير شاملة تنهي الانقلاب وتعيد الاستقرار إلى ربوع اليمن.
في الختام، يتبين أن تحذيرات وزير الداخلية اليمني علي عبد الله العليمي ليست مجرد تصريحات سياسية للاستهلاك الإعلامي، بل هي تشخيص دقيق وموضوعي لحالة الاحتضار السياسي والعسكري التي تعاني منها جماعة الحوثي. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، وتصدع الجبهة الداخلية، وفشل الخطط العسكرية، يبدو أن الحوثيين يقفون على حافة هاوية سحيقة، وأن أي خطأ استراتيجي قادم سيكون الكفيل بإسقاط مشروعهم بالكامل وإعادة اليمن إلى مسار السلام والاستقرار الشرعي.