في تحول ميداني بارز يعيد رسم خريطة السيطرة العسكرية في شبه الجزيرة العربية، شنت قوات جماعة أنصار الله (الحوثيين) هجوماً مضاداً واسع النطاق ومباغتاً في القطاع الغربي من اليمن، مستهدفة مواقع استراتيجية تابعة للقوات المدعومة من التحالف العربي والسلطات المعترف بها دولياً في محافظتي الجوف وحضرموت. هذا الهجوم لم يقتصر وقعه على كونه مجرد اشتباك عابر، بل جاء ليحمل دلالات استراتيجية وعميقة تعيد طرح التساؤلات حول مدى هشاشة الهدن غير المعلنة، وقدرة الأطراف المتصارعة على إعادة تموضعها وتجميع قواها الهجومية والدفاعية في بيئة جغرافية وقبلية شديدة التعقيد والتداخل، مما يهدد بنسف مساعي التهدئة الإقليمية والدولية.
خلفيات المشهد الميداني والجغرافي في غرب اليمن
تكتسي جبهات محافظتي الجوف وحضرموت أهمية جغرافية وعسكرية بالغة التعقيد، نظراً لامتدادهما الصحراوي الشاسع وتداخل خطوط الإمداد الاستراتيجية. تشكل محافظة الجوف، بحدودها المتاخمة للمملكة العربية السعودية وتضاريسها الجبلية والصحراوية المتنوعة، بوابّة رئيسية نحو العمق الاستراتيجي للطرفين. بينما تمثل حضرموت، بمديرياتها الواسعة وثرواتها النفطية الهائلة، جوهرة التاج في الصراع اليمني برمته. على مدار السنوات الماضية، شهدت هذه الجبهات كرّاً وفرّاً مستمرين بين قوات الحوثي من جهة، والقوات المدعومة من التحالف والتشكيلات العسكرية المحلية من جهة أخرى. ويأتي الهجوم الأخير ليعيد الأضواء إلى هشاشة خطوط التماس، حيث نجحت قوات الحوثي في استثمار حالة الركود الميداني النسبي لترتيب صفوفها، وشن عملية نوعية استطاعت من خلالها اختراق التحصينات الدفاعية المتقدمة واستعادة قرى ومواقع جبلية حاكمة كانت تحت سيطرة خصومها منذ مدة.
تكتيكات الاختراق والسيطرة على التضاريس الوعرة
وفقاً لشهادات وتقارير أدلى بها مسؤولون عسكريون يمنيون ميدانيون، فإن الهجوم لم يكن تقليدياً، بل اعتمد على تكتيكات الحرب الخاطفة والاعتماد على مجموعات قتالية صغيرة وعالية التدريب قادرة على التسلل عبر المرتفعات الجبلية الصعبة التي تُعد منيعة بطبيعتها. تمكنت هذه العناصر من اختراق خطوط الدفاع الأولى وتثبيت نقاط تمركزها في قمم جبلية حيوية تطل على طرق الإمداد الرئيسية. هذا النجاح الميداني أحدث اختلالاً ملحوظاً في ميزان القوى المحلي، لا سيما أن الجغرافيا الجبلية في تلك المناطق تمنح الطرف المسيطر أفضلية نارية واستخباراتية هائلة. وعلى الرغم من غياب الأرقام الرسمية الدقيقة الصادرة عن الجهات العسكرية بخصوص أعداد الضحايا من الطرفين، إلا أن حجم الاشتباكات والتحشيدات المتباينة يشير إلى خسائر بشرية ومادية معتبرة تكبدتها الجبهتان، مما يعكس ضراوة المعارك التي دارت رحاها تحت جنح الظلام ووسط ظروف مناخية وجغرافية قاسية.
الأبعاد الاستراتيجية وانعكاساتها على مسار الصراع
يحمل هذا التغيير المباغت في موازان المعركة دلالات استراتيجية أعمق بكثير من مجرد السيطرة على بضعة كيلومترات مربعة؛ فهو يبعث برسائل سياسية وعسكرية قوية تفيد بأن القدرات الهجومية للحوثيين لا تزال تحتفظ بزخمها رغم سنوات من الضربات الجوية والحصار. كما يشير إلى فشل استراتيجيات الاحتواء الميداني في خلق مناطق عازلة مستقرة ومأمونة للتحالف والقوات الموالية له. من منظور تحليلي، يأتي هذا التصعيد في توقيت حساس يتزامن مع اقتراب فصل الشتاء وموسم الأمطار وما يصاحبه عادة من وعورة في الطرقات وصعوبة في عمليات النقل واللوجستيات العسكرية، مما دفع الأطراف إلى محاولة تحسين شروطها الميدانية قبل دخول فصل الشتاء الطيني الذي يجمد عادة الكثير من التحركات العسكرية الواسعة. هذا الواقع يضع الجهود الدبلوماسية الدولية والأممية في مأزق حقيقي، محذراً من انهيار وشيك لمنظومة التهدئة وهشاشة التسويات السياسية المؤقتة.
السيناريوهات المحتملة والتداعيات المستقبلية على الأرض
في ظل المعطيات الراهنة، تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل الأوضاع العسكرية في محافظتي الجوف وحضرموت وعموم الجبهات اليمنية:
- سيناريو التصعيد العسكري الشامل: وهو الأرجح في حال قررت القوات المدعومة من التحالف شن هجوم معاكس واستعادة المواقع المفقودة، مما قد يجر البلاد إلى جولة جديدة من الحرب المفتوحة ويقوض فرص السلام.
- سيناريو تثبيت الأمر الواقع: أن تكتفي الأطراف بالسيطرة الحالية وتحويل نقاط التماس الجديدة إلى خطوط فصل دائمة، وسط حالة من اللاحرب واللاسلم.
- التأثير اللوجستي والمناخي: لعب دور عامل الطقس وموسم الأمطار القادم في فرض هدنة طبيعية قسرية تمنع أي تحركات عسكرية كبرى على المدى القصير، وتتيح للمجتمع الدولي فرصة إضافية للتدخل الدبلوماسي.
في الختام، يثبت هذا التطور الميداني الأخير أن الصراع اليمني يظل رهناً لتقلبات الميدان وبنادق المقاتلين على الأرض، بغض النظر عن المسارات الدبلوماسية المعلنة. إن استعادة الحوثيين لمواقع استراتيجية في الجوف وحضرموت يعيد تذكير العالم بأن الأزمات المؤجلة في اليمن لا يمكن حلها عبر المسكنات المؤقتة، بل تتطلب معالجة جذرية وشاملة لجذور الصراع الكامنة، لضمان عدم انزلاق البلاد مجدداً إلى أتون حرب واسعة النطاق تحرق ما تبقى من مقومات الاستقرار والسلم الأهلي.