يشهد المشهد اليمني في الراهن السياسي والعسكري منعطفاً بالغ الخطورة، حيث تتصاعد مؤشرات العودة إلى مربع المواجهات العسكرية الشاملة، وسط مخاوف إقليمية ودولية متزايدة من انهيار التهدئة الهشة التي سادت لقرابة عامين. إن عودة قر الطبول الحربية لا تهدد الداخل اليمني وحده بالمزيد من المعاناة الإنسانية المفرطة، بل تمتد تداعياتها المباشرة لتهدد أمن الملاحة الدولية في أحد أهم الشرايين البحرية على كوكب الأرض، وهو مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
الجذور التاريخية والجيوسياسية للتصعيد الراهن في اليمن
تأتي جولة التصعيد العسكري الأخيرة كامتداد طبيعي لصراع طال أجوائه لنحو عقد كامل، بدأ منذ اجتياح قوات جماعة أنصار الله (الحوثيون) للعاصمة صنعاء في أواخر عام 2014، وما تلاها من تدخل عسكري للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 تحت اسم "عاصفة الحزم". على مدار السنوات الماضية، تحولت الأراضي اليمنية إلى ساحة حرب وكالة معقدة، تداخلت فيها الأجندات المحلية مع الصراعات الإقليمية والدولية الكبرى.
وفي الفترة الأخيرة، ومع تعثر مسار المفاوضات السياسية السرية والعلنية التي قادتها سلطنة عمان بين الرياض وصنعاء، بدأت حالة الجمود العسكري تتآكل تدريجياً. هذا التآكل نتج عن إصرار الأطراف المتنازعة على تحسين شروط التفاوض عبر القوة الميدانية، مما أدى إلى تجدد الاشتباكات العنيفة على الجبهات الداخلية، لا سيما في مأرب وتعز والحديدة، فضلاً عن الغارات الجوية والقصف المتبادل الذي أوقع خسائر بشرية ومادية فادحة.
أزمة الموانئ وباب المندب: العصب الاقتصادي الصراع
لا يمكن فصل أي تصعيد عسكري في اليمن عن الصراع على الموارد الحيوية، وتحديداً السيطرة على الموانئ الاستراتيجية ومضيق باب المندب. يمر عبر هذا المضيق الحيوي نحو 10% من تجارة النفط العالمية وما يقرب من 12% من التجارة العالمية البضائع، مما يجعله نقطة اختناق استراتيجية بالغة الأهمية للاقتصاد العالمي.
في الآونة الأخيرة، تزايدت العمليات العسكرية والهجمات الصاروخية وطائرات بدون طيار التي استهدفت سفن الشحن التجاري وسفن الطاقة العابرة للبحر الأحمر وخليج عدن. هذه الهجمات دفعت كبرى شركات الشحن البحري العالمية إلى تعليق رحلاتها عبر الممر وتحويل مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما أدى إلى ارتفاع هائل في تكاليف الشحن وتأخير سلاسل الإمداد العالمية، وزاد من حالة القلق العارم لدى عواصم القرار الدولي.
الأبعاد الدولية والتداعيات الإقليمية للنزاع المتجدد
اكتسب الصراع في اليمن في الآونة الأخيرة أبعاداً جيوسياسية أوسع نطاقاً مع ارتباط الملف اليمني بالتوترات الإقليمية الكبرى، وتحديداً الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ووكلائها في المنطقة. فبينما تتهم واشنطن وعواصم غربية طهران بالاستمرار في تهريب الأسلحة المتقدمة والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة إلى جماعة الحوثي، تنفي إيران ذلك وتؤكد دعمها السياسي فقط.
في المقابل، شكلت الولايات المتحدة ودول غربية تحالفات بحرية متعددة لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وتنفيذ ضربات جوية رداً على هجمات الحوثيين على السفن. هذا التدخل العسكري الغربي المباشر وسع نطاق الأزمة، وحول البحر الأحمر إلى بؤرة توتر عسكري ساخنة تنذر بانزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق يصعب السيطرة على تداعياتها.
الوضع الإنساني المتدهور: المدنيون يدفعون الثمن الباهظ
في ظل قرع طبول الحرب وتصعيد العمليات العسكرية، يبقى المدنيون اليمنيون هم الضحية الأولى والأبرز. تشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية إلى أن أي انهيار إام للهدنة وتجدد المواجهات الواسعة سيؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، في بلد يعتمد فيه أكثر من 80% من السكان على المساعدات الإنسانية العاجلة.
وقد أدى القصف المتبادل والعمليات القتالية في المناطق الشمالية والشرقية إلى نزوح آلاف العائلات الجديدة، فضلاً عن تدمير البنى التحتية الأساسية من مستشفيات ومدارس وشبكات مياه وصرف صحي. وحذرت منظمات الإغاثة مراراً من أن القيود المفروضة على حركة السفن التجارية وإغلاق الموانئ سيفاقمان من معدلات الجوع وسوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء.
السيناريوهات المستقبلية ورؤية استشرافية للخروج من النفق
استناداً إلى المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة اليمنية وأمن باب المندب:
- السيناريو الأول (تصعيد عسكري شامل): انهيار كامل لاتفاقيات التهدئة وعودة المواجهات العسكرية الواسعة على مختلف الجبهات، مع توسع الهجمات البحرية وتحول البحر الأحمر إلى ساحة حرب مفتوحة بين القوى الكبرى والحوثيين.
- السيناريو الثاني (حالة اللاحرب واللاسلم): استمرار المناوشات المتقطعة والهجمات المحدودة مع بقاء الجمود السياسي على حاله، وهو سيناريو يبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم دون الوصول لحل جذري.
- السيناريو الثالث (العودة إلى طاولة المفاوضات): ضغط دولي وإقليمي مكثف يدفع الأطراف المتنازعة نحو تسوية سياسية شاملة تقي المنطقة كارثة محققة وتضمن تأمين الملاحة الدولية.
خلاصة القول، إن اليمن يقف اليوم على مفترق طرق حاسم؛ فإما إرادة سياسية شجاعة تعيد الأطراف إلى مسار الحوار والسلام العادل، أو انزلاق مدمر في أتون حرب جديدة لن تقتصر نيرانها على الجغرافيا اليمنية، بل ستمتد لتلتهم استقرار الإقليم بأكمله وتهدد عصب الاقتصاد العالمي.