في تطور ميداني لافت يعكس حدة التوترات السياسية والعسكرية في اليمن، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي هجوماً خاطفاً وواسعاً لاستعادة سيطرته على مديرية الكدحة الواقعة في محافظة مأرب، وهي منطقة كانت قد فرضت قوات تابعة لـجماعة الحوثي سيطرتها عليها في وقت سابق. ويأتي هذا التصعيد في ظل حالة من الجمود الهش الذي يميز المشهد الأمني في البلاد منذ سنوات، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع المعارك الكبرى على الأرض، وتتقاطع أجندات القوى المحلية مع حسابات التحالفات الإقليمية والدولية، ما يجعل من كل اشتباك محدود، على ظاهره، مؤشراً على تحولات أوسع في موازين القوى.
ولا يبدو الهجوم على الكدحة حدثاً معزولاً في جغرافيا الحرب اليمنية، بل هو حلقة في سلسلة احتكاكات متراكمة بين قوى تُصنّف نفسها في خندق واحد ضد الحوثيين، لكنها تتباين في الأولويات والأهداف النهائية، وهو تباين كثيراً ما يتحول إلى صراع مفتوح على النفوذ والمواقع والموارد.
خلفية الصراع: كيف تحولت الكدحة إلى نقطة اشتعال؟
منذ انقلاب جماعة الحوثي على السلطة في صنعاء عام 2014، ودخول التحالف العربي بقيادة السعودية على خط الأزمة في 2015، تحولت محافظة مأرب إلى واحدة من أهم معاقل القوى المناهضة للحوثيين، وإلى نقطة ارتكاز عسكرية ولوجستية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب مستقبلي للسلطة. وقد شهدت المحافظة خلال الأعوام 2020 و2021 أعنف المعارك على الإطلاق، حين حاول الحوثيون الزحف نحو مركز المدينة في هجوم واسع انتهى بالفشل بعد خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبعد الإعلان عن الهدنة الأممية في أبريل 2022 وانقضائها دون تجديد فعلي، دخلت الجبهات اليمنية حالة من الجمود النسبي، لم تكن سلاماً ولا وقفاً نهائياً للقتال، بل فترة إعادة ترتيب أوراق وتقوية مواقع. وفي هذا الفراغ الهش، توسّعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات في محافظات الجنوب والمناطق المتاخمة، بينما عزّز الحوثيون سيطرتهم على مواقع في أطراف مأرب وبعض مديرياتها، ومن بينها مديرية الكدحة التي تُعد اليوم عنواناً لهذا الاحتكاك المتجدد.
تفاصيل الهجوم والتصعيد الميداني
وفقاً لمصادر ميدانية، استهدفت القوات المهاجمة مواقع استراتيجية في محيط المديرية، معززةً هجومها بأسلحة ثقيلة ومدفعية، في محاولة لكسر خطوط الدفاع الحوثية واستعادة النفوذ في المنطقة التي تعد شرياناً لوجستياً مهماً. وشهدت المنطقة تبادلاً كثيفاً لإطلاق النار، امتدت أصداؤه إلى القرى والتجمعات السكنية المجاورة، مما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان المحليين، الذين هربوا من منازلهم خوفاً من الدخانات والصواريخ المتبادلة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن القصف المدفعي تركّز على مرتفعات ومواقع إشراف تُطل على الطرق الترابية الرئيسية، وهو أسلوب قتالي متعارف عليه في الحروب الجبلية، يهدف إلى حرمان الطرف الآخر من خطوط الرؤية والإمداد في آن واحد. كما تتحدث مصادر محلية عن تعذر وصول فرق الإغاثة إلى بعض المناطق بسبب استمرار الاشتباكات، في حين تبقى الأرقام الدقيقة للخسائر البشرية والمادية غير مؤكدة، في ظل تقييد الوصول إلى مسرح العمليات وشحّ المعلومات الموثوقة.
الكدحة: شريان لوجستي بأهمية عسكرية استثنائية
لا تكمن أهمية مديرية الكدحة في مساحتها أو عدد سكانها، بل في موقعها الذي يمنح من يسيطر عليها قدرة على التحكم في حركة الإمداد والتنقل بين عدد من الجبهات المتقاربة. فهي تمثل بحسب خبراء عسكريين عقدة وصل تربط بين محاور قتالية عدة، ومن يفقدها يخسر جزءاً من عمقه اللوجستي وقدرته على المناورة السريعة.
ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ تضم المديرية أراضي زراعية وودياناً تُعد مورداً معيشياً لسكانها، كما أنها تقع على مقربة من خطوط تماس حساسة تجعل من أي تحرك فيها بمثابة رسالة عسكرية مباشرة إلى الطرف الآخر. ولهذا، فإن معارك من هذا النوع لا تُقاس بمكسبها الجغرافي المحدود، بل بما تعكسه من نوايا واستعدادات وتوازنات قوى.
انعكاسات سياسية وأمنية على المشهد اليمني
لا يقتصر هذا الهجوم على كونه مناورة عسكرية محدودة، بل يحمل أبعاداً سياسية عميقة، إذ يسعى المجلس الانتقالي إلى تعزيز أوراقه التفاوضية وضمان حضوره الفاعل في أي تسوية قادمة، سواء على طاولة المفاوضات اليمنية-اليمنية أو في أي ترتيب إقليمي أوسع. فالقوة على الأرض، في التجربة اليمنية الطويلة، هي المترجم الأول لأي مطلب سياسي، والانتقالي يدرك أن غيابه عن مشهد القتال يعني بالضرورة تراجع حضوره في مشهد التسوية.
وفي المقابل، يقرأ الحوثيون هذه الحركة كمحاولة لتفتيت الجبهة الداخلية وإذكاء نار الحرب الأهلية مجدداً، ويسعون إلى توظيفها إعلامياً لتأكيد خطابهم القائل بأن خصومهم يعملون على تمزيق البلاد وإطالة أمد الصراع. وتشير التحليلات إلى أن استمرار هذه الاحتكاكات قد يعقد جهود التهدئة الإقليمية والدولية، ويؤجج الصراع على الموارد والممرات الحيوية في شمال وشرق اليمن، مما يهدد بخلق جبهة صراع جديدة تحرف الأنظار عن المعارك الرئيسية في صنعاء والمحافظات الشمالية.
الأمر الأكثر خطورة في هذا السياق هو الإضرار بتماسك الجبهة المناهضة للحوثيين نفسها؛ فكلما اتسع التنافس بين مكوناتها، كلما استفاد الطرف الأقوى في المعادلة من هذا التصدع، لأن الحروب تنتصر فيها الجبهات المتماسكة لا القوى المتنافرة.
ردود الفعل والمواقف المتضاربة
حتى الآن، لا تزال ردود الفعل الرسمية على الهجوم محدودة ومتباينة، بين بيانات محلية متحفظة وتصريحات إعلامية متضاربة تعكس حساسية المشهد. ويرى مراقبون أن صمت بعض الأطراف ليس انسحاباً من الأزمة، بل محاولة لتجنب إحراج التحالفات القائمة، في وقت يتزايد فيه الضغط الأممي والدولي لخفض التصعيد.
وفي هذا الإطار، فإن أبرز ما يجب رصدُه وتوثيقُه في الساعات والأيام المقبلة يتمثل في:
- استهداف مواقع استراتيجية في مديرية الكدحة بمأرب، وحجم السيطرة الفعلية على الأرض بعد المعارك.
- استخدام أسلحة ثقيلة ومدفعية في الهجوم، وما يعنيه ذلك من ارتفاع كلفة الحرب على المدنيين.
- نزوح المدنيين من المناطق المتأثرة بالاشتباكات، وتفاقم أزمة إنسانية قائمة أصلاً.
- تصاعد حدة التوتر بين المجلس الانتقالي والحوثيين، وانعكاسه على المشهد السياسي العام.
- مواقف الأطراف الإقليمية والدولية من التصعيد ومسار التهدئة المرتقب.
الأبعاد الإقليمية والدولية
يحمل التصعيد أبعاداً تتجاوز الجغرافيا المحلية، فمحافظة مأرب ليست مجرد مدينة في الصحراء، بل هي مركز للطاقة وأحد مفاتيح الأمن في شمال اليمن. وفي موازاة ذلك، تتصل الملفات اليمنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة الملاحة الدولية، وهي ملفات شهدت خلال السنوات الأخيرة تصعيداً غير مسبوق انعكس على التجارة العالمية وأسعار الشحن وأمن الممرات المائية.
ويُتوقع أن تتعامل القوى الإقليمية مع أي تحرك ميداني في مأرب ضمن حسابات أوسع تتعلق بالتقارب الإقليمي، وبتوازن الردع، وبالملفات المرتبطة بملف الممرات البحرية والتجارة الدولية، ما يجعل من الصعب الفصل بين ما يجري على جبهة محلية صغيرة وبين ما يجري في غرف القرار الإقليمية والدولية.
سيناريوهات مقبلة ومخاطر التصعيد
في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصوّر عدد من السيناريوهات المحتملة خلال الفترة المقبلة:
- سيناريو التثبيت: نجاح القوات المهاجمة في تثبيت سيطرتها على المواقع المستهدفة، وتحويلها إلى خطوط دفاعية جديدة، ما يعزز ورقة المجلس الانتقالي تفاوضياً لكنه يبقي الجبهة في حالة استنزاف مستمر.
- سيناريو الاستنزاف: فشل القوات في حسم المعركة، ودخول الطرفين في حرب مواقع طويلة تُثقل الأطراف كافة وتوقع أكبر قدر من الضحايا المدنيين.
- سيناريو الامتداد: اتساع رقعة الاشتباك إلى مديريات وجبهات مجاورة، وتحول التصعيد إلى مواجهة واسعة تلتهم الجهود الإقليمية والدولية لخفض التهدئة.
- سيناريو التهدئة المشروطة: تدخل وسطاء محليون وإقليميون للفصل بين القوتين وإعادة فتح مسارات تفاوض محدودة، مع الإبقاء على الوضع العسكري كما هو.
وفي كل الحالات، تبقى الكلفة الإنسانية هي المتغير الأكثر ثباتاً في المعادلة؛ فمع كل اشتباك جديد، تزيد أعداد النازحين، وتتعطل سبل العيش، ويتقلص وصول المساعدات إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
خلاصة استشرافية
لا يمكن فهم الهجوم على مديرية الكدحة بمعزل عن سياقه الأشمل: حرب طويلة استنزفت اليمنيين، وتنافس على النفوذ بين قوى مفترضة التحالف، وحسابات إقليمية ودولية معقدة. والدرس الجوهري الذي يعيد هذا التطور تأكيده هو أن أي ترتيب سياسي في اليمن لا يمكن أن يصمد إذا بُني على القوة وحدها دون تسوية جامعة تعترف بحقوق الجميع في دولة مدنية اتحادية تحفظ السيادة وتصون حقوق المواطنين. وفي انتظار ذلك، ستبقى مأرب وسهولها ووديانها ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، وسيبقى المدنيون، كما كانوا دائماً، أول من يدفع الثمن.