في تصريح صحفي لافت نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، أطلق ليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، جرس الإنذار مبكراً للقيادة الأمريكية الحالية، محذراً من أن النزاع المسلح بين الولايات المتحدة وإيران قد يمتد لأكثر من ستة أشهر قادمة، وواصفاً السيناريو الأسوأ بأنه قد يتحول إلى حرب أبدية في الشرق الأوسط إذا لم تُدار التصعيدات بحكمة استثنائية. التحذير ليس مجرد رأي عابر، بل يأتي من شخصية عسكرية واستخباراتية مخضرمة عايشت غرف العمليات في البيت الأبيض والبنتاغون، وشاركت في إدارة ملفات الشرق الأوسط في لحظات مفصلية.
من هو ليون بانيتا ولماذا يثير تحذيره القلق؟
ليون بانيتا ليس اسماً عابراً في واشنطن. شغل مناصب رفيعة، من مدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى وزير الدفاع في إدارة الرئيس باراك أوباما، وكان في قلب قرارات الحرب على الإرهاب والانسحاب من العراق والتعامل مع الملف النووي الإيراني. خبرته تجعله قادراً على تقدير كلفة أي مواجهة مفتوحة مع طهران، ليس فقط من زاوية عسكرية، بل من زاوية استراتيجية طويلة الأمد. تحذيره يعكس قلقاً داخل تيار واسع في المؤسسة الأمنية الأمريكية من أن الانجرار إلى حرب استنزاف مع إيران قد يبدد القدرات الأمريكية في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الصين وروسيا.
خلفية الصراع: أربعة عقود من العداء والتصعيد
المواجهة بين واشنطن وطهران ليست وليدة اليوم. منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وأزمة الرهائن، مرت العلاقات بمراحل من القطيعة والعقوبات والتهديدات المتبادلة. شهدت العقود الماضية محطات كبرى: الحرب العراقية الإيرانية، احتجاز السفن في الخليج، الاتفاق النووي عام 2015، انسحاب واشنطن منه عام 2018، اغتيال قاسم سليماني عام 2020، ثم سلسلة من الاشتباكات غير المباشرة عبر وكلاء إقليميين. هذه الخلفية تجعل أي مواجهة مباشرة محفوفة بمخاطر الامتداد الجغرافي والزمني، لأن إيران تمتلك شبكة نفوذ تمتد من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن.
لماذا ستة أشهر؟ قراءة في تعقيدات المواجهة
يشير تقدير بانيتا إلى أن طبيعة المواجهة مع إيران تختلف عن الصراعات التقليدية. فطهران لا تعتمد فقط على جيش نظامي، بل على استراتيجية الردع غير المتماثل: ميليشيات، صواريخ باليستية، طائرات مسيرة، هجمات بحرية، وحرب عصابات. هذا النوع من الصراع لا يحسم بضربة سريعة، بل قد يتحول إلى حرب استنزاف تمتد لأشهر. واشنطن قد تضطر إلى نشر قوات إضافية، وتعزيز الدفاعات الجوية، وحماية الممرات البحرية، وتأمين قواعدها في العراق وسوريا والخليج. كل شهر إضافي يعني كلفة بشرية ومالية وسياسية متصاعدة.
أبعاد التحذير: مخاطر الحرب الأبدية واستنزاف الموارد
يتضمن تحذير بانيتا عدة نقاط جوهرية:
- الخطر الواقعي لامتداد المواجهة مع إيران لستة أشهر إضافية على الأقل، ما يعني تجاوز أي سيناريو لحرب خاطفة.
- مخاطر تحول الاشتباكات المحدودة إلى صراع إقليمي شامل يجرّ حلفاء وخصوماً إلى المعادلة.
- الحاجة إلى استراتيجية خروج واضحة لتجنب حرب أبدية تضر بالمصالح الأمريكية عالمياً.
- احتمال استنزاف الموارد العسكرية والدبلوماسية، وإضعاف القدرة على مواجهة التحديات في مناطق أخرى.
- فتح الباب أمام تحالفات إقليمية معادية قد تعمق الانقسام الطائفي والجيوسياسي في الشرق الأوسط.
هذه النقاط لا تصدر عن محلل بعيد عن السلطة، بل عن رجل شغل حقيبة الدفاع، ويعرف أن واشنطن قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما التصعيد الكامل، أو القبول بتسوية غير مريحة، أو الغرق في حرب لا نهاية لها.
السيناريوهات المحتملة: بين التصعيد والتسوية
ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتصارع في أروقة واشنطن. الأول: تصعيد محدود ومضبوط، عبر ضربات انتقائية وعقوبات إضافية، مع محاولة احتواء الرد الإيراني. الثاني: حرب إقليمية واسعة، إذا ردت طهران عبر وكلائها أو أغلقت مضيق هرمز، ما قد يرفع أسعار النفط ويشل التجارة العالمية. الثالث: تسوية دبلوماسية تحت النار، أي مفاوضات غير مباشرة توقف التصعيد مقابل تفاهمات جزئية. بانيتا يبدو أقرب إلى التحذير من السيناريو الثاني، لأنه يعرف أن أي حرب مع إيران ليست لعبة صفرية سريعة.
ردود الفعل والانعكاسات على الحلفاء والأسواق
تصريحات بانيتا ستجد صدى واسعاً في العواصم الحليفة. إسرائيل، التي تعتبر إيران تهديداً وجودياً، قد ترى في التحذير دعوة لتنسيق أمني أعمق. دول الخليج، التي تخشى حرباً تدمر اقتصاداتها، قد تدفع نحو تهدئة. أوروبا، التي تعاني من أزمات طاقة، ستخشى انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز. أما الأسواق العالمية، فستتعامل مع أي تصعيد بحذر شديد، وقد ترتفع أسعار النفط والذهب وعلاوات المخاطر. في المقابل، قد تستفيد قوى إقليمية من استنزاف واشنطن، بينما تراقب الصين وروسيا المشهد عن كثب.
هل تستطيع واشنطن تجنب الفخ الإيراني؟
الإجابة تعتمد على ثلاثة عوامل: وضوح الهدف الاستراتيجي، وحجم التحالفات الإقليمية، وقدرة الدبلوماسية على العمل تحت النار. إذا ذهبت واشنطن إلى مواجهة مفتوحة دون استراتيجية خروج، فإن تحذير بانيتا سيتحقق حرفياً. وإذا نجحت في إدارة التصعيد عبر ردود محسوبة وقنوات خلفية، فقد تتجنب الحرب الأبدية. لكن التاريخ يعلّم أن الشرق الأوسط نادراً ما يسير وفق الخطط الأمريكية، وأن الحروب تبدأ بقرارات سريعة وتنتهي بتكاليف باهظة.
خلاصة استشرافية: درس بانيتا لإدارة البيت الأبيض
تحذير ليون بانيتا ليس تشاؤماً، بل دعوة صريحة لإعادة تقييم الأولويات. فالنزاع مع إيران قد يبدأ محدوداً، لكنه قد يتحول إلى مستنقع يستنزف أمريكا لسنوات. على واشنطن أن تختار: إما استراتيجية خروج واضحة قبل الانجرار، أو دبلوماسية إقليمية شاملة تشارك فيها القوى الكبرى. أما الرهان على حسم سريع، فهو وهم قد يدفع المنطقة إلى حرب أبدية، لا ينتصر فيها أحد، ويخسر فيها الجميع.