تشهد الخريطة الميدانية والسياسية في الجمهورية اليمنية واحدة من أشد مراحلها دموية وتعقيداً، حيث عادت جبهات القتال الملتهبة في محافظتي تعز والحديدة لتتصدر المشهد العام، مخلفةً وراءها حصيلة ثقيلة تجاوزت 300 قتيل ومئات الجرحى، إلى جانب موجات نزوح جماعي غير مسبوقة للمدنيين. هذا التصعيد العسكري المفاجئ، الذي يأتي بعد فترة من الجمود والهدوء النسبي، يعيد إشعال فتيل الأزمة الإنسانية والعسكرية في مناطق حيوية تعد بمثابة الشريان الأساسي للاقتصاد والتواصل السكاني في البلاد، مما ينذر بتداعيات كارثية على كافة المستويات الإقليمية والدولية.
خلفيات التصعيد وجذور الجمود العسكري في تعز والحديدة
تعتبر جبهتا تعز والحديدة من أكثر الجبهات حساسية وتعقيداً في الصراع اليمني المستمر منذ سنوات. فمحافظة تعز، التي تمثل الكثافة السكانية والعمق الثقافي والسياسي، تعاني من حصار خانق وانقسام حاد في السيطرة الميدانية، بينما تمثل مدينة الحديدة وموانئها الاستراتيجية الرئة الرئيسية لدخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية إلى عمق الأراضي اليمنية. على مدار الأشهر الماضية، ساد جمود عسكري نسبي نتيجة للجهود الدبلوماسية الرامية لتثبيت الهدنة، إلا أن هذا الجمود كان هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة نتيجة انعدام الثقة وغياب تسوية سياسية شاملة تخاطب جذور الأزمة، ليأتي هذا التصعيد الأخير كترجمة عملية لانهيار التفاهمات ورغبة كل طرف في فرض معادلات جديدة على الأرض قبل أي تسوية قادمة.
تفكيك المشهد الميداني: غارات مكثفة ومعارك ضارية على خطوط الإمداد
تفيد التقارير الواردة من أرض الواقع بأن المعارك الدائرة تتسم بضراوة شديدة واستخدام مكثف لمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. تسعى القوات الحكومية المسنودة برجال المقاومة الشعبية إلى جانب الغطاء الجوي المكثف، إلى تحقيق اختراقات جوهرية تهدف إلى:
- كسر الحصار المفروض على مدينة تعز وفتح شرايين الطرق الرئيسية المغلقة.
- قطع خطوط الإمداد الحيوية التي تعتمد عليها جماعة الحوثي في تعزيز تحصيناتها ونقل المقاتلين والعتاد.
- السيطرة على مواقع استراتيجية حاكمة تمكن القوات المهاجمة من تأمين محاور التقدم وتأمين المدن والمناطق المحررة.
- شل قدرات الطرف الآخر عبر استهداف دقيق ومكثف للتحصينات ومخازن الأسلحة وغرف العمليات الميدانية.
هذا التشابك المعقد بين العمليات البرية وحركة الطيران جعل من ساحات الوغى في تعز والحديدة ميداناً مفتوحاً على كل الاحتمالات العسكرية، وسط تبادل للاتهامات بين أطراف النزاع حول المسؤولية عن إشعال فتيل المواجهات.
الكارثة الإنسانية المنسية: نزوح جماعي ومعاناة مضاعفة للمدنيين
وكعادة الحروب العسكرية الكبرى، يدفع المدنيون الأبرياء الثمن الأبض والأقسى من أمنهم واستقرارهم ومعيشهم اليومي. فقد أسفرت موجات القصف المتبادل والاشتباكات العنيفة عن نزوح آلاف الأسر اليمنية من القرى والبلدات الواقعة في خطوط النار المباشرة نحو مناطق أکثر أمناً في الضواحي والمحافظات المجاورة. وتواجه هذه الموجات البشرية الهائلة ظروفا إنسانية بالغة التعقيد، تتسم بنقص حاد في:
- المأوى الصالح للسكن، حيث افترش كثير من النازحين العراء والمدارس والمخيمات العشوائية.
- الرعاية الصحية والأدوية المنقذة للحياة، في ظل انهيار شبه تام للبنية التحتية الطبية في مناطق النزاع.
- الأمن الغذائي ومياه الشرب النظيفة، مما يرفع من خطر تفشي الأوبئة والأمراض المعدية بين الأطفال والنساء.
- المساعدات الإغاثية العاجلة بسبب صعوبة وصول المنظمات الدولية والمحلية إلى مناطق النزوح والاشتباك.
إن هذا الوضع الإنساني المتردي يستوجب تحركاً دولياً وأمماً عاجلاً وفورياً للضغط من أجل فتح ممرات إنسانية آمنة وحماية المدنيين من جحيم الحرب المشتعلة.
السيناريوهات المستقبلية والتداعيات الجيوسياسية على مستقبل السلام في اليمن
مع استمرار وتيرة التصعيد العسكري وتجاوز عدد الضحايا حاجز الـ 300 قتيل، تتقاطع التوقعات السياسية والاستراتيجية حول عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأوضاع في تعز والحديدة. السيناريو الأول يتمثل في تمدد رقعة المواجهات لتشمل جبهات أخرى في مأرب وجوف والضالع، مما يعيد البلاد إلى المربع الأول للحرب الشاملة ويدمر أي فرصة للحل الدبلوماسي. السيناريو الثاني يرتبط بإمكانية تدخل إقليمي ودولي مكثف لفرض وقف إطلاق نار إنساني عاجل، مدفوعاً بالخشية من انهيار الوضع الاقتصادي وتأثير ذلك على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر. في كل الأحوال، يبقى المواطن اليمني هو الضحية الأبدية لهذه الصراعات، وتبقى الحاجة ملحة لصوت العقل والحكمة لتغليب المصلحة الوطنية العليا على حساب الحسابات العسكرية الضيقة، وصولاً إلى سلام عادل وشامل يعيد للبلاد استقرارها المنشود.