في خطوة تعكس حجم التعقيد والخطورة غير المعهودة التي يمر بها النزاع المسلح في السودان، أطلقت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة جرس إنذار حاد اللهجة بشأن التدهور المتسارع للوضع الإنساني والقانوني في البلاد. ولم يقتصر التحذير الأممي هذه المرة على رصد أعمال العنف المباشرة أو تفاقم الأزمات الإنسانية فحسب، بل امتد ليقرا ناقوس الخطر حيال خطر داهم يهدد مستقبل العدالة برمتها، والمتمثل في محاولات ممنهجة ومحسوبة لـ «طمس الأدلة» المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة والواسعة النطاق التي تشهدها المدن والقرى السودانية منذ اندلاع الصراع المسلح في منتصف أبريل من العام الماضي.
تفكيك أبعاد الأزمة: مخاوف جادة من تدمير السجلات والوقائع
أكدت المتحدثة باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان، رافينا شامدساني، في تصريحات صحفية مكثفة ومحملة بدلائل القلق، أن هناك أدلّة متزايدة ومخاوف جدية ترقى إلى مستوى اليقين بشأن استهداف مباشر أو غير مباشر للبنى التحتية القانونية والمادية التي تحتضن الأدلة والشهادات الحية. وتشمل هذه المخاوف تدمير المستندات الرسمية، وإخفاء مواقع المقابر الجماعية، ومسح الآثار المادية للجرائم، فضلاً عن إرهاب الشهود والمبلغين، وهي عناصر تمثل الركيزة الأساسية لأي مسار قضائي مستقبلي يهدف إلى تحقيق العدالة والمحاسبة.
وأوضحت شامدساني أن استمرار وتيرة العنف الضارية وغياب الحد الأدنى من الاستقرار الأمني يعرضان آلاف السجلات التي توثق الجرائم والانتهاكات لخطر الاندثار الأبدي. وفي غياب هذه الأدلة القاطعة، تواجه الهيئات الدولية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان عائقاً هيكلياً ضخماً قد يفضي بالضرورة إلى الإفلات من العقاب، ويحرم الضحايا وذويهم من أبسط حقوقهم القانونية في معرفة الحقيقة والإنصاف.
خلفيات الصراع وتداعياته على الذاكرة الجماعية والعدالة الانتقالية
إن محاولات طمس الأدلة في السودان ليست حدثاً معزولاً، بل هي امتداد استراتيجي لأساليب دأبت أطراف النزاع على استخدامها لإخفاء فظائع الحرب. منذ تفجر الاقتتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحولت المناطق السكنية والمنشآت الحيوية إلى ساحات حرب مفتوحة، ما أدى إلى تدمير الواجهات المؤسسية التي تحتفظ بالبيانات الحيوية. وتتجلى خطورة هذا الوضع بالنظر إلى أن السودان يمر بمرحلة حرجة تتطلب حفظ الذاكرة الجماعية لضمان نجاح أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
ويشير الخبراء القانونيون الدوليون إلى أن طمس الأدلة الجنائية وحرق السجلات الطبية وأرشيفات المحاكم والمستشفيات يهدف إلى خلق فراغ قانوني يصعب معه توجيه اتهامات جنائية دولية محددة أو ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب أمام المحاكم الوطنية أو الجنائية الدولية.
دعوات أممية عاجلة للتحرك الميداني والدولي الفوري
في ظل هذا المشهد القاتم، شددت المصادر الأممية على أهمية استنفار الجهود الدولية والمحلية لحماية أماكن الجريمة والسجلات الرسمية المتبقية. وقد دعت المفوضية السامية المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان إلى الآتي:
- تعزيز آليات التوثيق الرقمي والميداني المستقل لضمان حفظ البيانات خارج مناطق النزاع المباشر.
- توفير حماية قانونية وجسدية عاجلة للشهود والمبلغين والناشطين الحقوقيين المهددين بالتصفية أو الاعتقال.
- الضغط الدبلوماسي والسياسي المكثف على أطراف النزاع لوقف العنف والسماح للفرق الأممية والمستقلة بالوصول الآمن إلى مواقع الانتهاكات.
- تأسيس مرصد دولي خاص لتوثيق جرائم الحرب وحفظ الأدلة وفق المعايير القضائية الدولية المعتمدة.
سيناريوهات المستقبل والدروس المستفادة من تجارب النزاعات الإقليمية
تؤكد التجارب التاريخية في نزاعات إقليمية ودولية مشابهة (مثل البوسنة، رواندا، وسوريا) أن تدمير الأدلة وطمس المعالم الجنائية يمثل التحدي الأكبر الذي تواجهه لجان التحقيق الدولية. فبدون أدلة مادية موثوقة وموثقة وفق الأصول القانونية، تتحول الجرائم الكبرى إلى مجرد تقارير إخبارية تفقد قيمتها أمام منصات القضاء الجنائي الدولي.
من هنا، يأتي التحذير الأممي الأخير ليدق ناقوس الخطر الأخير أمام المجتمع الدولي؛ فإما أن يبادر العالم إلى اتخاذ خطوات استباقية لحماية أدلة الانتهاكات في السودان، أو أن يشهد التاريخ جريمة مزدوجة: الأولى ارتكاب الفظائع، والثانية اغتيال الحقيقة وإجهاض العدالة قبل أن تنولد.
خلاصة القول: إن المعركة في السودان لم تعد تقتصر على السيطرة الميدانية على الأرض والسلاح فحسب، بل تحولت إلى معركة شرسة حول 'الحقيقة والتوثيق'. وإن التقاعس الدولي عن حماية الذاكرة الجنائية للبلاد سيكرّس سوابق خطيرة تشرعن الإفلات من العقاب، مما يفرض على الهيئات الأممية والحقوقية مضاعفة الجهود العاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أدلة دامغة تؤسس لمستقبل يسوده العدل والقانون في السودان.