دخلت الجمهورية اليمنية من جديد في نفق مظلم من التصعيد الميداني والعسكري البالغ الخطورة، إثر اندلاع موجة واسعة من الاشتباكات العنيفة والشرسة التي تجتاح في توقيت متزامن مدينتين استراتيجيتين وحساسيتين للغاية هما تعز والحديدة. هذا التصعيد المفاجئ لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لهشاشة التهدئة القائمة والجمود السياسي المستمر الذي تعاني منه البلاد منذ سنوات، وسط تقارير دولية وإخبارية متطابقة -من أبرزها ما أوردته شبكة فرانس 24 الإخبارية- تؤكد أن الخارطة العسكرية اليمنية باتت على صفيح ساخن ينذر بتداعيات كارثية على كافة المستويات، الأمنية، والإنسانية، والسياسية، مما يعيد الأذهان إلى ذكريات المعارك الضارية التي أنهكت البنية التحتية ومزقت النسيج الاجتماعي اليمني.
الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية لمسرحي العمليات في تعز والحديدة
تكتسي المحافظتان المشتعلتان حالياً، تعز والحديدة، أهمية بالغة واستثنائية في المعادلة العسكرية والسياسية اليمنية، مما يجعل أي احتكاك عسكري فيهما بمثابة زلزال يهدد استقرار المنطقة بأكملها. محافظة تعز، الملقبة عاصمتها الثقافية والمليونية بالكثافة السكانية الهائلة، تمثل الخاصرة الرخوة والقلب الناضج للمقاومة والضغط العسكري، نظراً لموقعها الجبلي الحاكم المتحكم بطرق التجارة والإمداد الرئيسية الرابطة بين شمال البلاد وجنوبها وغربها. إن السيطرة أو الصراع المحتدم فيها يعكس رغبة الأطراف المتنازعة في فرض واقع جغرافي جديد يكسبها أوراق تفاوض أقوى في أي تسوية سياسية مرتقبة.
على الجانب الآخر، تبرز محافظة الحديدة الساحلية المطلة على البحر الأحمر بأهمية اقتصادية واستراتيجية لا تقل خطورة؛ فهي تضم الميناء الحيوي والاستراتيجي الأبرز الذي يُعد شريان الحياة الرئيسي لدخول الغذاء، والدواء، والمساعدات الإنسانية لملايين اليمنيين القابعين تحت خط البنوك والمجاعة. إن أي تصعيد عسكري يطال محيط الحديدة وموانئها يضع ملايين المدنيين رهينة لأزمة إنسانية مفرطة في التعقيد، ويهدد حركة الملاحة الدولية في أحد أهم المضائق والممرات المائية العالمية، مما يفسر حالة الاستنفار الإقليمي والدولي الواسعة لمتابعة هذه التطورات الميدانية المقلقة.
خلفيات التوتر وأسباب الانفجار الميداني المتزامن
تتعدد الأسباب والدوافع الكامنة خلف هذا الانفجار العسكري الميداني المتزامن في الجبهتين الغربية والوسطى. وتؤكد القراءات التحليلية للخبراء العسكريين أن حالة "لا سلم ولا حرب" التي طبعت المشهد اليمني لفترة طويلة لم تكن سوى هدنة هشة وغير مكتملة، تخللتها خروقات مستمرة وتحشيد عسكري متواصل من قبل مختلف الأطراف استعداداً لجولة جديدة من الحسم الميداني. وتشمل أبرز محددات هذا التصعيد الأسباب التالية:
- تعثر مفاوضات السلام الإقليمية والدولية وغياب خارطة طريق واضحة ومزمنة تفضي إلى تسوية سياسية شاملة تلبي تطلعات الأطراف.
- سعي الأطراف المتنازعة لتعزيز مواقعها الدفاعية والهجومية على الأرض لرفع سقف مطالبها وشروطها في حال العودة إلى طاولة الحوار.
- التدهور الاقتصادي المريع وانهيار العملة المحلية وتداعياته المباشرة على معيشة المقاتلين والمدنيين، مما خلق بيئة خصبة لتوترات أمنية واسعة النطاق.
- الاحتقان المحلي المتراكم جراء الحصار المفروض على مدينة تعز والقيود المستمرة على الحركة والتنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
هذه العوامل المجتمعة شكلت برميل بارود جاهز للاشتعال عند أدنى احتكاك عسكري، وهو ما ترجمته فعلياً الاشتباكات العنيفة التي تفجرت مؤخراً مخلفة حالة من الرعب والهلع بين المدنيين الأبرياء.
الانعكاسات الإنسانية والاجتماعية على السكان المحليين
في خضم هذه المعارك الضارية وتبادل القصف والنار بين الأطراف المتحاربة، يبقى المدنيون اليمنيون في تعز والحديدة هم الحلقة الأضعف والضحية الدائمة للقرارات العسكرية والحسابات السياسية الضيقة. تشير التقارير الميدانية الأولية إلى حالة نزوح داخلي جديدة لمئات العائلات التي اضطرت لمغادرة منازلها في الأحياء السكنية المشتعلة بحثاً عن المأوى والأمان في مناطق أقر أقل خطورة. كما تتعرض البنية التحتية الخدمية المتداعية أصلاً لمزيد من الدمار، وسط عجز تام للمستشفيات والمراكز الصحية عن استقبال أعداد الجرحى والمصابين جراء شح المستلزمات الطبية ونقص الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء.
إن تفاقم هذه الأزمات الإنسانية المتداخلة ينذر بوقوع كارثة إنسانية غير مسبوقة، لا سيما مع تزامن هذه الأحداث مع ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي الحاد، مما يجعل السكان المحليين يعيشون على حافة الهاوية، منتظرين أي تدخل جاد لوقف شلال الدم ورفع المعاناة القاسية عن كواهلهم.
ردود الفعل الدولية ومستقبل الاستقرار الأمني في اليمن
تتابع المنظمات الأممية والمجتمع الدولي بقلق بالغ وبالغ الشدة هذا التصعيد الخطير في تعز والحديدة، وسط دعوات ملحة وعاجلة لضبط النفس والوقف الفوري لكافة الأعمال العسكرية والعودة الفورية إلى مسار التهدئة والحوار السياسي. المبعوث الأممي إلى اليمن وأطراف المجتمع الدولي يدركون جيداً أن انزلاق البلاد مجدداً نحو حرب واسعة النطاق سيعصف بكل الجهود الدبلوماسية المبذولة طوال السنوات الماضية، ويقوض فرص السلام المستدام في منطقة تعتبر حيوية لأمن واستقرار الشرق الأوسط والعالم بأسره.
خلاصة القول ورؤية استشرافية: إن تجدد الاشتباكات العنيفة في تعز والحديدة يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستقرار العسكري في اليمن هش وقابل للانهيار في أي لحظة ما لم يتم معالجة جذور الأزمة السياسية والاقتصادية بشكل جذري. وإن مستقبل الأيام القادمة سيتحدد بناءً على مدى قدرة الأضداد المحلية والإقليمية على احتواء هذا التصعيد الخطير، أو ما إذا كانت هذه المعارك مجرد إرهاصات لجولة جديدة من الصراع الشامل الذي لا يخدم سوى أجندة الخراب والفوضى.