في مشهد معقد ومفتوح على كافة الاحتمالات، يعود الملف العسكري اليمني إلى واجهة الأحداث السياسية والإقليمية، وسط تقارير استخباراتية وميدانية جديدة تكشف عن اتساع الهوة وتنامي التباين الصارخ في موازين القوى بين القوات الحكومية المعترف بها دولياً وبين جماعة أنصار الله (الحوثيين). هذا التباين لم يعد مجرد تفصيل تكتيكي في خارطة المعارك الميدانية، بل تحول إلى معضلة هيكلية واستراتيجية تهدد بتغيير قواعد الإشتباك بشكل جذري، وتعيد صياغة المشهد الجيوسياسي برمته في شبه الجزيرة العربية، لا سيما في ظل تراجع آفاق الحل السياسي الشامل وتعثر جولات المفاوضات الثنائية والجماعية.
خلفيات وتطورات المشهد العسكري: كيف تغيرت موازين القوى في اليمن؟
تعود جذور الاختلال الحالي في موازين القوى إلى السنوات الأولى من عمر الصراع المسلح الذي اندلع في أواخر العام 2014 ومطلع العام 2015. فحينها، ورثت جماعة الحوثي ترسانة ضخمة ومتنوعة من أسلحة الجيش اليمني الرسمي بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء ومقرات وزارة الدفاع وقيادة الأركان ومعسكرات الألوية العسكرية الكبرى. ومع مرور السنوات، نجحت الجماعة في تطوير هذه الترسانة عبر مسارات متعددة، شملت التهريب البحري والبري المعقد، وتوطين الصناعات العسكرية المحلية بدعم من خبراء تقنيين إقليميين. في المقابل، وجدت الشرعية اليمنية نفسها محاصرة بتحديات بنيوية هائلة، تمثلت في انقسام المؤسسة العسكرية، وتعدد التشكيلات والتشكيلات شبه العسكرية التي تفتقر أحياناً إلى القيادة الموحدة والمركزية الصارمة، فضلاً عن الاعتماد المفرط والمستمر على الدعم الخارجي والتحالفات الإقليمية التي شهدت تباينات في الرؤى الاستراتيجية والتوجهات السياسية طوال العقد الماضي.
العوامل الخفية والمعلنة التي تعزز القدرات العسكرية واللوجستية للحوثيين
تشير التحليلات العسكرية المتقدمة والتقارير الاستخباراتية الواردة من مصادر إقليمية ودولية إلى أن جماعة الحوثي تمكنت من مراكمة قوة ردع نوعية، متجاوزة مرحلة الدفاع التقليدي إلى مرحلة الهجوم الممنهج والتأثير الإقليمي.
- الدعم اللوجستي وشبكات التهريب: تستغل الجماعة السواحل الطويلة الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن لتشغيل شبكات تهريب معقدة وعابرة للحدود، تجلب عبرها قطع الغيار، والمكونات الإلكترونية الدقيقة، والمواد المتطورة المستخدمة في الطائرات المسيرة والصواريخ البליستية.
- التطوير التقني والصاروخي: أظهرت العروض العسكرية المتكررة للحوثيين قدرات متنامية في تطوير صواريخ فرط صوتية وموجهة بدقة، إضافة إلى منظومات دفاع جوي محلية ومعدلة قادرة على تحجيم حرية حركة الطيران الاستطلاعي والقتالي.
- التعبئة الأيديولوجية والموارد البشرية: تعتمد الجماعة على آلية تعبئة مستمرة ومحكمة تدعمها شبكات واسعة من المعسكرات الصيفية والمناهج الموجهة، مما يضمن تدفقاً بشرياً متواصلًا لرفد الجبهات والمواقع الاستراتيجية المتقدمة.
التحديات البنيوية واللوجستية المنهكة التي تواجه القوات الحكومية
في الجانب المقابل، تعاني المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة اليمنية الشرعية من منظومة تحديات معقدة تقوض جاهزيتها القتالية وتضعف قدرتها على حسم المعارك أو حتى الحفاظ على توازن الردع. تتلخص هذه التحديات في عدة محاور رئيسية:
- النقص الحاد في الصيانة والدعم الفني: تمتلك الحكومة أسلحة ومعدات متنوعة، إلا أن غياب عقود الصيانة الدورية وقطع الغيار الأصلية أدى إلى خروج نسب واسعة من الآليات العسكرية والدبابات عن الخدمة الفعلية.
- تراجع التمويل الخارجي وانكماش الدعم اللوجستي: أثرت التحولات في السياسات الإقليمية والأزمات الدولية المتلاحقة سلباً على حجم ومستوى الدعم المالي واللوجستي المقدم للجيش الوطني، مما انعكس بشكل مباشر على انتظام صرف المرتبات وتوفير الإمدادات الأساسية للجبهات.
- التشتت القيادي والجغرافي: تتوزع القوات الحكومية بين تشكيلات متعددة الأيديولوجيات والولاءات والاهتمامات السياسية (قوات درع الوطن، العمالقة، قوات المحاور العسكرية التقليدية)، مما يعيق التنسيق المشترك ويخلق فجوات أمنية واستراتيجية واضحة تستغلها الجماعات المسلحة المنافسة.
الآثار الميدانية والسيناريوهات المستقبلية لتباين القوى في اليمن
إن هذا التباين المتسارع في القدرات العسكرية أفرز تداعيات ميدانية كارثية على الأرض؛ حيث تجلت بوضوح في تراجع القدرات الهجومية للجيش الحكومي وانكفائه نحو استراتيجية الدفاع السلبي، بينما تواصل قوات الحوثي تحصين مواقعها الاستراتيجية في المرتفعات الجبلية المطلة على السواحل ومناطق الثروة النفطية والغازية في مأرب وحضرموت وشبوة. هذا الجمود الميداني لا يعكس حالة سلام، بل هو هدوء حذر يسبق عواصف محتملة. تشير السيناريوهات المستقبلية إلى أن استمرار هذا الخلل سيؤدي حتماً إلى إضعاف الموقف التفاوضي للحكومة الشرعية في أي تسوية سلمية مقبلة، ويمنح الحوثيين اليد العليا لفرض شروطهم السياسية والجغرافية بالقوة العسكرية. من هنا، يصبح لزاماً على صانع القرار اليمني والإقليمي إعادة هندسة المشهد الأمني والعسكري، عبر توحيد القيادة، وتأمين دعم استراتيجي مستدام، وإصلاح المؤسسة العسكرية على أسس وطنية مهنية خالصة، لضمان استعادة التوازن المنشود ومنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات تفكك أعمق وأشد خطورة.