في تصعيد جيوسياسي يعيد تسليط الضوء على بؤر التوتر في البحر الأحمر، أطلق العميد طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تحذيرات بالغة الأهمية كاشفاً عن إحباط مخطط إيراني استراتيجي كان يهدف إلى إحكام القبضة على مضيق باب المندب، الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. هذه التصريحات لم تكن مجرد إدانة سياسية عابرة، بل جاءت لتضع النقاط على الحروف حول طبيعة الصراع الدائر في اليمن، والذي تجاوز كونه نزاعاً محلياً ليتحول إلى ساحة مواجهة دولية مفتوحة على كافة الاحتمالات.
باب المندب: الجغرافيا السياسية في مهب الريح
يعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويمر عبره يومياً ملايين البراميل من النفط والغاز. إن السيطرة على هذا الممر تعني امتلاك ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لابتزاز المجتمع الدولي. وبحسب تقارير استخباراتية وتحليلات عسكرية، سعت إيران عبر وكلائها في اليمن إلى تحويل السواحل الغربية لليمن إلى منصة متقدمة لتهديد الملاحة الدولية، وهو ما وصفه طارق صالح بـ "المشروع التوسعي" الذي يهدف إلى تحويل اليمن إلى قاعدة خلفية لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة.
أبعاد المخطط الإيراني وأدوات التنفيذ
تتعدد أدوات المشروع الإيراني في اليمن، بدءاً من تهريب الأسلحة النوعية، وصولاً إلى تقنيات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تستهدف الملاحة البحرية. إن استراتيجية طهران تعتمد على مبدأ "الحروب بالوكالة"، حيث يتم استخدام جماعات مسلحة لزعزعة الاستقرار في الممرات المائية، مما يضع القوات اليمنية الشرعية في مواجهة مباشرة مع تحديات أمنية معقدة. القوات المشتركة التي يقودها طارق صالح في الساحل الغربي أثبتت وفقاً للمراقبين أنها تمثل خط الدفاع الأول ليس فقط عن السيادة اليمنية، بل عن أمن الملاحة العالمية.
تداعيات الصراع على الأمن القومي اليمني والإقليمي
إن محاولات الهيمنة الإيرانية لا تهدد اليمن وحده، بل تمتد تداعياتها لتشمل دول الجوار والمجتمع الدولي بأسره. إن استمرار التهديدات في جنوب البحر الأحمر أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتغيير مسارات السفن الدولية، مما يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي. وتؤكد تصريحات طارق صالح على ضرورة تكاتف الجهود المحلية والإقليمية لقطع دابر التدخلات الخارجية، مشدداً على أن استعادة الدولة اليمنية هي الضمانة الوحيدة لتحقيق الاستقرار في هذا الممر المائي الحساس.
استراتيجية المواجهة: بين الميدان والدبلوماسية
تعتمد رؤية القيادة اليمنية في مواجهة هذا المخطط على مسارين متوازيين:
- المسار الميداني: تعزيز الجاهزية القتالية للقوات المسلحة في الساحل الغربي لردع أي محاولات اختراق أو تهديد للممرات المائية.
- المسار الدبلوماسي: فضح الممارسات الإيرانية أمام المحافل الدولية، والتأكيد على أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي والعالمي.
- التنسيق الإقليمي: العمل الوثيق مع التحالف العربي والقوى الدولية لضمان حماية خطوط الملاحة الدولية من القرصنة والتهديدات الإرهابية.
رؤية استشرافية: مستقبل المنطقة في ظل التحديات
في الختام، يظل ملف مضيق باب المندب اختباراً حقيقياً لإرادة المجتمع الدولي في حماية حرية الملاحة. إن إحباط المخطط الإيراني الذي أشار إليه طارق صالح يمثل انتصاراً مرحلياً، لكنه يفرض استحقاقات جديدة على الحكومة اليمنية والقوى الإقليمية. إن المرحلة المقبلة تتطلب استراتيجية شاملة لا تكتفي بالدفاع، بل تنتقل إلى مرحلة تأمين الممرات المائية بشكل دائم، مع ضرورة دعم القوات اليمنية بالقدرات التقنية والاستخباراتية اللازمة. إن استقرار اليمن هو المفتاح الذهبي لأمن المنطقة، وبدون إنهاء النفوذ الإيراني في اليمن، سيظل البحر الأحمر عرضة للابتزاز السياسي والعسكري، مما يستدعي يقظة دولية مستمرة تجاه هذه البقعة الجغرافية التي لا تقبل القسمة على اثنين.