في واحدة من أخطر المحطات وأكثرها حساسية في تاريخ الصراع الإسرائيلي المعاصر، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه عائماً وسط عاصفة سياسية وأمنية عارمة لا هوادة فيها. لم تعد تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 تقتصر على الصدمة الاستراتيجية والعسكرية الأولى، بل تحولت إلى زلزال سياسي داخلي يتفاعل بعمق مع كل تسريب جديد يخرج إلى علن وسائل الإعلام المحلية والدولية. وأحدث هذه العواصف هي التقارير التي كشفت عن تلقي مكتب نتنياهو تحذيرات استخباراتية وأمنية مبكرة ومحددة بشأن إمكانية وقوع عمل عسكري واسع النطاق من قطاع غزة، وهو ما يعيد خلط الأوراق ويزيد من الضغوط الملقاة على عاتق الحكومة اليمينية الأكثر استقراراً ظاهرياً والأكثر هشاشة موضوعياً.
جذور الأزمة: حين تتقاطع الإشارات الاستخباراتية مع الجمود السياسي
تعود جذور هذه الأزمة المتفجرة إلى ليلة السابع من أكتوبر وما سبقها من أسابيع وأشهر اتسمت بحالة من الجمود والغطرسة الاستخباراتية التي أطلق عليها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مصطلح 'مفهوم الإخضاع'. لقد أظهرت التحقيقات الأولية التي تسربت أجزاء منها مراراً وتكراراً أن الشعبة الاستخباراتية العسكرية (أمان) وجهاز الأمن العام (الشاباك) قد رصدا مؤشرات مقلقة تفيد بتغيرات دراماتيكية في سلوك حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة. ومع ذلك، فإن النقطة الفارقة التي تُشعل غضب الشارع وتضع نتنياهو في قفص الاتهام هي مدى وصول هذه التقارير وتحديداً طبيعة التحذيرات المباشرة التي وُجهت إلى مكتب رئيس الوزراء قبل ساعات أو حتى أيام من الهجوم. إن تفكيك هذه الخيوط يوضح بجلاء أن الخلاف لم يعد منحصراً في الفشل العسكري الميداني فحسب، بل امتد ليشمل شبهات تعمد تجاهل التحذيرات أو التقليل من شأنها لدواعٍ سياسية وحزبية ضيقة ترتبط بالحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي.
آليات الضغط الداخلي: عائلات المحتجزين والمعارضة في خندق واحد
لم يسبق للمجتمع الإسرائيلي أن شهد مثل هذا الاستقطاب الحاد والعميق والناتج عن شعور جمعي بالخيانة وفقدان الثقة في القيادة السياسية. فمنذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، تشكلت جبهة واسعة غير مسبوقة تضم عائلات المحتجزين والأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة، وقوى المعارضة السياسية بقيادة شخصيات مثل يائير لبيد ويني غانتس، إضافة إلى قطاعات واسعة من النخب الأكاديمية والعسكرية المتقاعدة. هذه الجبهة الموحدة ترى في تسريبات تحذيرات السابع من أكتوبر دليلاً قاطعاً على أن بنيامين نتنياهو كان مطلعاً على حجم الخطر المحدق ولكنه فضل إدارة الظهر للتحذيرات حفاظاً على كرسيه في السلطة. وتتجلى مظاهر هذا الضغط في المظاهرات الحاشدة التي تضرب الشوارع الإسرائيلية أسبوعياً، مطالبة ليس فقط بإبرام صفقة تبادل فوري للأسرى بل بإسقاط الحكومة فوراً وتقديم رموزها للعدالة بتهمة الإهمال الجسيم والتقصير الوظيفي والأمني.
التداعيات الاستراتيجية على الائتلاف الحاكم ومستقبل نتنياهو السياسي
على الصعيد السياسي البحت، وضعت هذه التسريبات الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة نتنياهو وحلفائه من أقصى اليمين (مثل بتكوين بن غفير وبازالل سموتريتش) على حافة الهاوية. يدرك أقطاب اليمين المتطرف أن أي لجنة تحقيق رسمية كاملة ومستقلة ستعني نهاية حتمية لمشروعهم السياسي ولحكومة نتنياهو برمتها، ولذلك يبذلون جهوداً مضنية لعرقلة أي مساعٍ جادة لتشكيل لجنة تحقيق رسمية بصلاحيات كاملة. في المقابل، يستميت نتنياهو في استخدام كل أدوات المناورة السياسية والإعلامية المتاحة لتشتيت الانتباه، تارة عبر تصعيد العمليات العسكرية في جبهات متعددة كإشارة لاستمرار المعركة، وتارة أخرى عبر إلقاء اللوم مباشرة على قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية واتهامهم بالفشل في قراءة النوايا الحقيقية للخصوم. غير أن هذه المناورات باتت تفقد ألقها وفاعليتها مع كل وثيقة جديدة تُسرب وتؤكد علِم المستوى السياسي بالأخطار قبل وقوعها.
سيناريوهات المستقبل: هل يقترب السقوط المدوي أم تستمر سياسة حافة الهاوية؟
أمام هذه المعطيات المعقدة، يتجه المشهد الإسرائيلي نحو عدة سيناريوهات محتملة يتصدرها سيناريو تفكك الائتلاف الحكومي من الداخل نتيجة ضغوط الشارع وانسحاب بعض الشخصيات البراغماتية منه خوفاً من الغرق الوشيك. السيناريو الثاني يتمثل في اضطرار نتنياهو مرغماً وتحت ضغط الإدارة الأمريكية وحلفاء إسرائيل الدوليين إلى القبول بتسوية سياسية أو مرحلة انتقالية تؤدي حتماً إلى انتخابات مبكرة. بغض النظر عن السيناريو الأرجح، فإن الحقيقة الثابتة والمؤكدة هي أن بنيامين نتنياهو يخوض اليوم أشرس معركة في حياته السياسية الطويلة، وهي معركة الدفاع عن إرثه السياسي ومستقبله الشخصي من السقوط المجلجل في مزبلة التاريخ السياسي لإسرائيل. إن انكشاف تفاصيل تحذيرات السابع من أكتوبر قد فتح باباً لا يمكن إغلاقه لعملية تطهير ومحاسبة كبرى ستطال أركان الدولة العميقة برمتها، ليبقى السؤال المعلق في فضاء تل أبيب: متى تنفجر القنبلة السياسية الكبرى ومتى تُكشف الأوراق كاملة دون أي تستر؟