في تصريح يحمل دلالات سياسية وعسكرية بالغة، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، عن وجود "عزم مشترك" مع المملكة العربية السعودية لإنهاء التهديد الذي تشكله جماعة الحوثي. جاء هذا التصريح خلال لقاءات جمعته بمسؤولين سعوديين في الرياض، حيث شدد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تنسيقًا غير مسبوق لاستعادة الدولة اليمنية وإنهاء سيطرة الميليشيات. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه اليمن تصعيدًا حوثيًا متواصلاً على المنشآت النفطية السعودية والملاحة الدولية، ما يضع هذا التحالف أمام اختبار حقيقي.
السياق والخلفية: من هو العليمي وما هي طبيعة الصراع اليمني؟
يعد رشاد العليمي شخصية سياسية وعسكرية بارزة، تولى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي اليمني في أبريل 2022، وهو مجلس تشكل بموجب اتفاق الرياض الذي رعته السعودية والإمارات بهدف توحيد الفصائل المناهضة للحوثيين تحت قيادة واحدة. ويضم المجلس ثمانية أعضاء يمثلون مختلف المكونات السياسية والعسكرية، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي. ومنذ انقلاب الحوثيين على السلطة في عام 2014، وسيطرتهم على العاصمة صنعاء، تعيش اليمن حربًا أهلية مدمرة تدخلت فيها السعودية على رأس تحالف عربي في مارس 2015 لدعم الحكومة الشرعية. وقد تحول الصراع إلى حرب استنزاف إقليمية، حيث تتبادل الجماعة الحوثية، المدعومة من إيران، الهجمات مع قوات التحالف، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لاستهداف العمق السعودي.
وعلى الرغم من الهدنة الأممية التي أُعلنت في أبريل 2022 وتم تمديدها عدة مرات، إلا أن خروقات الحوثيين المتكررة حالت دون تحقيق سلام دائم. وقد شهد العام 2024 و2025 تصعيدًا حوثيًا في البحر الأحمر، حيث استهدفت الجماعة سفنًا تجارية وعسكرية، مما أثار قلقًا دوليًا وأدى إلى تدخلات بحرية أمريكية وبريطانية. وفي هذا السياق، يأتي تصريح العليمي ليعكس إصرارًا على تغيير قواعد الاشتباك.
التفاصيل والأرقام: ماذا قال العليمي بالضبط وما دلالاته؟
لم يكشف البيان الصادر عن الرئاسة اليمنية عن نص التصريح كاملاً، لكن مصادر مطلعة أكدت أن العليمي شدد خلال مباحثاته مع المسؤولين السعوديين على أن "العزم مشترك لإنهاء التهديد الحوثي". وتُعد هذه العبارة تطورًا في الخطاب الرسمي اليمني، الذي كان يكتفي في السابق بالإشارة إلى "استعادة الدولة" دون تحديد آلية إنهاء التهديد. كما تأتي بعد سلسلة من الاجتماعات الأمنية والعسكرية بين الجانبين، كان آخرها قبل أسبوعين في الرياض، حيث ناقش الطرفان خططًا لتعزيز القدرات الدفاعية للجيش اليمني.
- توقيت التصريح: يتزامن مع اقتراب الذكرى العاشرة لانطلاق عملية "عاصفة الحزم" السعودية، ما يمنحه رمزية خاصة.
- الدعم السعودي: قدمت السعودية خلال السنوات الماضية أكثر من 3 مليارات دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية لليمن، وفق تقديرات غير رسمية.
- التهديد الحوثي: تشير تقارير أممية إلى أن الحوثيين يمتلكون ترسانة من الطائرات المسيرة يصل مداها إلى 1500 كيلومتر، ما يهدد العمق السعودي.
- الموقف الدولي: تحظى الحكومة اليمنية بدعم دولي واسع، لكن الملف اليمني لا يزال معلقًا في مجلس الأمن بسبب الانقسامات الكبرى.
وتعكس هذه المعطيات أن التصريح ليس مجرد عبارة دبلوماسية، بل يحمل مؤشرات على تحول محتمل في الاستراتيجية العسكرية للتحالف.
التحليل والأبعاد: لماذا الآن؟ وما هي حسابات الرياض؟
يطرح توقيت التصريح تساؤلات حول الدوافع الحقيقية. فمن جهة، تواجه السعودية ضغوطًا اقتصادية وأمنية متزايدة بسبب استمرار الهجمات الحوثية على منشآتها النفطية، والتي كبدتها خسائر بمليارات الدولارات. ومن جهة أخرى، تسعى الرياض إلى إنهاء الحرب في اليمن كجزء من رؤية 2030 التي تتطلب استقرارًا إقليميًا لجذب الاستثمارات. كما أن التقارب السعودي الإيراني الذي أعقب اتفاق بكين في مارس 2023 لم يُنهِ التهديد الحوثي، بل ربما زاد من تعقيد الملف، إذ تحاول طهران استخدام الحوثيين كورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية.
ويرى محللون أن تصريح العليمي يحمل رسائل متعددة: أولاً، تأكيد أن الرياض لن تتهاون في مواجهة التهديدات الحوثية. ثانيًا، إظهار أن الحكومة اليمنية شريك موثوق في أي ترتيبات أمنية. ثالثًا، الضغط على المجتمع الدولي لتقديم دعم أكبر للجيش اليمني. لكن يبقى السؤال: هل يملك التحالف القدرة على إنهاء التهديد الحوثي عسكريًا؟ الإجابة ليست سهلة، خاصة مع تعقيد التضاريس اليمنية وتمدد الجماعة في مناطق واسعة.
ردود الفعل والمواقف الدولية
لم تعلن جماعة الحوثي عن رد رسمي حتى الآن، لكن مصادر مقربة منها قللت من أهمية التصريح، واصفة إياه بأنه "محاولة يائسة لرفع المعنويات". في المقابل، رحبت الولايات المتحدة بالتصريح، مؤكدة دعمها لوحدة اليمن واستقراره. أما الأمم المتحدة، فقد جددت دعوتها لجميع الأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات. وعلى الصعيد الإقليمي، لم يصدر تعليق فوري من إيران، لكن مراقبين يتوقعون أن تزيد طهران من دعمها للحوثيين في حال تصاعدت العمليات العسكرية.
وماذا بعد؟ السيناريوهات المحتملة
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- السيناريو الأول - تصعيد عسكري محدود: قد تشن قوات التحالف والجيش اليمني عمليات نوعية ضد مواقع الحوثيين، خاصة في محافظات مأرب والحديدة، دون الدخول في حرب شاملة.
- السيناريو الثاني - دفع نحو مفاوضات: قد يستخدم التصريح كورقة ضغط لدفع الحوثيين إلى تقديم تنازلات في أي مفاوضات قادمة، خاصة مع تغير الإدارة الأمريكية.
- السيناريو الثالث - استمرار الجمود: إذا لم تترجم التصريحات إلى أفعال، فقد يبقى الوضع على ما هو عليه، مع استمرار الهجمات المتقطعة.
ويبقى الأهم هو ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من خطوات عملية، فالتصريحات وحدها لا تكفي لإنهاء أزمة معقدة عمرها أكثر من عقد.
أسئلة شائعة
- من هو رشاد العليمي؟ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني منذ أبريل 2022، وشغل سابقًا مناصب وزارية وأمنية.
- ما هو مجلس القيادة الرئاسي؟ كيان سياسي يضم فصائل مناهضة للحوثيين، تشكل بموجب اتفاق الرياض 2022.
- ما هو التهديد الحوثي؟ يشير إلى الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي تشنها الجماعة على السعودية واليمنيين.
- هل هناك دعم دولي لإنهاء التهديد؟ نعم، لكنه يقتصر على الدعم السياسي واللوجستي دون تدخل عسكري مباشر.