تعيش مستشفيات تعز، كبرى مدن جنوب غرب اليمن، تحت وطأة سيناريو كارثي يهدد بتوقف خدماتها الحيوية، مع تزايد النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود والكوادر المؤهلة. وفي ظل هذا التدهور، تصاعدت مطالبات أطباء يمنيين في المهجر بتأمين ممر عاجل يسمح بإيصال المساعدات الطبية والوقود والفرق الطبية إلى المستشفيات المحاصرة، في مؤشر على أن الأزمة تجاوزت قدرة السلطات المحلية والمنظمات على الاحتواء.
لماذا أصبحت مستشفيات تعز على حافة الانهيار؟
تقع تعز في منطقة جبلية جنوب غرب اليمن، وتعد واحدة من أكثر المدن تضرراً منذ اندلاع النزاع في 2014. فموقعها على خطوط التماس جعلها عرضة لحصار طويل واشتباكات متقطعة، ما أدى إلى تآكل البنية التحتية الصحية بشكل تدريجي. المستشفيات الرئيسية التي كانت تستقبل مرضى من المحافظة والمناطق المجاورة تحولت إلى مرافق تعمل بطاقة شبه معدومة، بعد أن فقدت كثيراً من أجهزتها وتخصصاتها.
الممر الآمن الذي يطالب به الأطباء في المهجر ليس مجرد مطلب لوجستي، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من منظومة صحية. فالممر يسمح بمرور الأدوية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين، ووقود المولدات، والكوادر الطبية المتخصصة. لكن تعقيد المشهد الأمني والسياسي في اليمن يجعل أي ممر من هذا النوع رهيناً بتوافقات معقدة بين أطراف النزاع، وهو ما يفسر تأخر الاستجابة حتى الآن.
ما الذي تبقى من القطاع الصحي في تعز؟ أرقام لا تقولها البيانات الرسمية
لا تكشف البيانات المتاحة عن الحجم الكامل للانهيار، لكن المؤشرات الميدانية ترسم صورة قاتمة:
- نقص الأدوية: تفتقد المستشفيات أدوية الأمراض المزمنة وعلاجات السرطان والغسيل الكلوي، ما يدفع المرضى إلى البحث عنها في السوق السوداء أو السفر إلى محافظات أخرى.
- أزمة الوقود والكهرباء: تعتمد المستشفيات على مولدات تحتاج إلى وقود يومي، ومع انقطاع الإمدادات تتوقف غرف العمليات وأجهزة العناية المركزة والحضانات.
- نزيف الكوادر: هجرة الأطباء والممرضين إلى الخارج أو إلى مدن أكثر أماناً تركت فراغاً في التخصصات النادرة، مثل التخدير والجراحة والعناية الحصيفة.
- ضغط المرضى: مع توقف المرافق الأخرى، تتحول المستشفيات المتبقية إلى نقاط استقبال لآلاف الحالات، ما يفوق طاقتها ويضعف جودة الخدمة.
هذه العوامل مجتمعة تخلق حلقة مفرغة: نقص الإمدادات يدفع الكوادر للهجرة، وهجرتها تزيد الضغط على المتبقين، فيتراجع الأداء وتزداد الوفيات التي يمكن تجنبها. والممر العاجل الذي يطالب به أطباء المهجر يستهدف كسر هذه الحلقة، ولو جزئياً، عبر تأمين تدفق منتظم للمواد الحيوية.
بين نداء المهجر وخذلان الداخل: قراءة في موازين القوى
الأطباء اليمنيون في المهجر يمتلكون شرعية مهنية وأخلاقية، وشبكات تواصل مع منظمات دولية، لكنهم لا يسيطرون على الأرض ولا على المعابر. مطالبتهم بممر عاجل تعكس عجزاً مزدوجاً: عجزهم عن تقديم الخدمة مباشرة داخل تعز، وعجز النظام الصحي المحلي عن الصمود. في المقابل، تتحكم أطراف النزاع في مسارات الوصول، وقد تنظر إلى المساعدات كأداة نفوذ أو ضغط، ما يعقد أي ترتيب إنساني.
المنظمات الدولية، ومنها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، تواجه بدورها قيوداً في الوصول ونقصاً في التمويل. وهي تفضل التفاوض على ممرات آمنة بدل فرضها، لكن التفاوض قد يستغرق وقتاً لا تحتمله المستشفيات. وهنا يبرز سؤال محوري: هل يمكن تحييد القطاع الصحي عن الصراع، أم أن انهياره سيصبح ورقة ضغط إضافية؟
في السياق ذاته، يرى مراقبون أن استمرار انهيار الخدمات الأساسية في تعز قد يدفع مزيداً من السكان إلى النزوح، ويزيد الضغط على المحافظات المجاورة، ويفتح الباب أمام أوبئة كان يمكن احتواؤها. وبالتالي، فإن الممر العاجل ليس مسألة إنسانية فقط، بل خطوة وقائية ضد تفكك اجتماعي أوسع.
ماذا يعني انهيار مستشفيات تعز للقارئ اليمني؟
بالنسبة للمواطن في تعز، يعني استمرار هذا الوضع أن أي حالة طارئة قد تتحول إلى مأساة. فالمصابون في حوادث الطرق، والنساء الحوامل، والأطفال المصابون بالتهابات حادة، والمرضى المزمنون، جميعهم يواجهون خطر الموت أو المضاعفات بسبب غياب العلاج. كما أن انهيار المستشفيات يضرب الثقة في أي تعافٍ محتمل، ويزيد من شعور العائلات بأن لا ملاذ آمن.
أما بالنسبة لليمنيين في المهجر، فالمشهد يضعهم أمام مسؤولية مزدوجة: الضغط على المنظمات والحكومات لفتح ممرات، ودعم المبادرات الأهلية التي تحاول سد الفجوات. لكن هذه المبادرات تبقى محدودة أمام حجم الاحتياج، ما يجعل الممر العاجل مطلباً استراتيجياً وليس تكتيكياً. وفي حال استمرت العوائق، فإن السيناريو الأسوأ هو توقف آخر المستشفيات العاملة، وتحول تعز إلى منطقة بلا رعاية صحية تقريباً.
أسئلة شائعة
- ما الذي يطالب به أطباء اليمن في المهجر؟ يطالبون بتأمين ممر عاجل يسمح بإيصال المساعدات الطبية والوقود والكوادر إلى مستشفيات تعز.
- لماذا تعتبر تعز الأكثر تضرراً؟ بسبب موقعها على خطوط التماس، والحصار الطويل، والاشتباكات المتكررة التي ألحقت أضراراً بالبنية التحتية الصحية.
- هل هناك خطر انهيار كامل للمستشفيات؟ التحذيرات تشير إلى أن المستشفيات تعمل بطاقة شبه معدومة، وأن استمرار نقص الإمدادات قد يؤدي إلى توقف خدماتها الحيوية.
- ما دور المنظمات الدولية؟ تحاول تقديم الدعم والتفاوض على ممرات آمنة، لكنها تواجه قيوداً أمنية ونقصاً في التمويل.