عاد شبح وباء الكوليرا يخيّم على مخيم القرنعة في مديرية خنفر بمحافظة أبين جنوبي اليمن، بعد أن سجّلت الوحدة الصحية الوحيدة في المخيم 7 حالات اشتباه بالمرض خلال الأسبوع الأول من وصول موجة نزوح جديدة، إلى جانب حالتي وفاة، إحداهما لامرأة مسنة والأخرى لطفل. التحذير لم يأتِ من تقارير دولية بعيدة، بل من داخل الخيمة الطبية نفسها؛ إذ أكد الطبيب المشرف على الوحدة، الدكتور علي المظفري، أن الأرقام لا تقف عند حدّ الاشتباه بالكوليرا، بل تمتد إلى نحو 70 حالة إسهال حاد و13 حالة إسهال دموي رُصدت في الفترة ذاتها، في مؤشر على تزايد العبء الواقع على مرفق صحي واحد لا يكاد يستوعب أعداد الوافدين الجدد.
مخيم القرنعة.. حيث تلتقي الكوليرا بموجة نزوح جديدة
يقع مخيم القرنعة في مديرية خنفر بمحافظة أبين، وهي محافظة ساحلية جنوبية تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز نقاط الاستقبال للنازحين الفارين من محاور القتال في الحديدة وتعز. ومع كل موجة نزوح جديدة، تتكرر المعادلة نفسها: أعداد أكبر من الأسر، ومساحات أضيق، وخدمات صحية ومائية لا تتوسع بالوتيرة ذاتها.
وتكمن خطورة الكوليرا في طبيعتها تحديداً؛ فهي مرض إسهالي حاد ينتقل عبر المياه والغذاء الملوثين، ويمكن أن يقضي على المصاب خلال ساعات إذا لم يحصل على تعويض السوائل الكافي. وهذا ما يجعل أي اشتباه داخل مخيم مكتظ، تتدنى فيه شروط الصرف الصحي، بمثابة إنذار مبكر لا يمكن تجاهله، لأن انتقال العدوى فيه يحدث بشكل متسارع أكثر بكثير من المناطق المفتوحة.
ما الذي رصده الدكتور علي المظفري فعلاً؟
يوضح الطبيب المشرف على الوحدة الصحية أن ارتفاع حالات الإسهال خلال الأسبوع الثاني لتدفق النازحين لا يعني بالضرورة أن جميعها مرتبطة بالكوليرا، لكنه يبقى مؤشراً دالاً على حجم الضغط المفروض على المرفق الصحي. وتلخّص الأرقام المرصودة الصورة كالتالي:
- 7 حالات اشتباه بالكوليرا سُجّلت خلال الأسبوع الأول من وصول الموجة الجديدة، وهي حالات تستدعي تشخيصاً مخبرياً سريعاً لا يتوفر بالشكل الكافي داخل المخيم.
- حالتا وفاة: امرأة مسنة وطفل، وهما الفئتان الأكثر هشاشة أمام الجفاف الناتج عن الإسهال الحاد.
- نحو 70 حالة إسهال حاد، وهو رقم يعكس سرعة انتشار الأعراض بين الوافدين الجدد.
- 13 حالة إسهال دموي، وهي مؤشر إضافي على تلوث محتمل في مصادر المياه أو الغذاء.
- نقص الأدوية الذي يضاعف العبء، ويحدّ من قدرة الوحدة على الاستجابة للاحتياجات المتنامية.
ويشدّد المظفري على أن هذه الأرقام لا تعني أن جميع حالات الإسهال مرتبطة بالكوليرا، «لكنها تعكس تزايد العبء الواقع على الوحدة الصحية خلال فترة زمنية قصيرة»، في إشارة إلى أن المشكلة ليست في تشخيص حالة بعينها، بل في قدرة المنظومة الصحية على احتواء موجة كاملة.
شادية محمد ونبيل.. الوجه الإنساني لأزمة تفوق الاحتمال
خلف الأرقام، تبرز تفاصيل معيشية قاسية. النازحة شادية محمد وصلت إلى المخيم قبل 20 يوماً فقط برفقة أطفالها الأربعة، وتخرج يومياً للعمل في المزارع مع نازحات أخريات مقابل 2000 ريال يمني (نحو دولارين)، وهو مبلغ لا يكاد يكفي لتأمين الطعام؛ إذ لا تحصل أسرتها في بعض الأيام إلا على وجبة واحدة. وتتحمل النساء في المخيم عبء الإنفاق وتأمين العلاج، بينما تبدأ المعاناة من لحظة الوصول، حين تجد الأسر نفسها أمام متطلبات تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء والدواء، بل تمتد إلى المأوى والتعليم. فالأسر تتقاسم في العادة كوخاً محدود المساحة مع أقارب نازحين آخرين، وهو ما يضرب الخصوصية والراحة معاً؛ ولذلك قرر نبيل، بعد 15 يوماً من مشاركة عائلة أخرى المأوى الصغير، بناء مأوى مستقل له يُسمى محلياً «العريش» بما توفر له من إمكانات ومواد بسيطة. أما الأطفال، فلا توجد فصول دراسية داخل المخيم، ويضطر من تستطيع أسرهم تحمّل التكاليف إلى الالتحاق بمدارس منطقة الكود، التي تبعد نحو ساعة سيراً على الأقدام.
لماذا الآن تحديداً؟ جذور النزوح وتصاعد المعارك
لا يأتي هذا التصعيد من فراغ. فقد اضطرت آلاف الأسر في اليمن إلى ترك منازلها منذ احتدام المعارك البرية بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) على أكثر من محور، ولم تتوقف أرقام النازحين عن الارتفاع يومياً، وسط مناشدات متكررة من الحكومة والمنظمات الأممية بضرورة توفير إغاثة عاجلة.
وتفاقمت أزمة النزوح مع سيطرة الحوثيين في 10 سبتمبر/أيلول الماضي على مدينتي حيس والخوخة، آخر معاقل الحكومة اليمنية في محافظة الحديدة، إضافة إلى 4 مديريات بمحافظة تعز؛ أبرزها مدينة المخا وصولاً إلى منطقة باب المندب. هذا التوسع العسكري هو ما دفع موجات جديدة من الأسر نحو المحافظات الجنوبية، وأبين من بينها، في وقت لم تكن فيه المخيمات أصلاً مهيأة لاستقبال هذا الحجم.
خريطة النزوح: تعز ولحج وأبين.. من يستضيف من؟
يعطي آخر تقرير للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين التابعة للحكومة اليمنية، الصادر في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، صورة أوضح لحجم الحركة: ارتفاع أعداد النازحين المسجلين في 8 محافظات إلى 158 ألفاً و109 أشخاص، بواقع 23 ألفاً و550 أسرة، جراء التصعيد العسكري منذ مطلع الشهر ذاته.
- تعز تصدّرت المحافظات المستضيفة بـ11 ألفاً و867 أسرة (83 ألفاً و123 شخصاً).
- لحج استقبلت 5472 أسرة (38 ألفاً و304 أشخاص).
- أبين استقبلت 1420 أسرة في مخيمات مديريتي خنفر وزنجبار، وهو رقم يفسّر الضغط الحالي على مخيم القرنعة تحديداً.
- بقية الأسر توزّعت على حضرموت (نحو 110 أسر)، والمهرة (نحو 70 أسرة)، وشبوة (26 أسرة).
هذا التوزيع يكشف أن الضغط لا يتوزع بالتساوي، بل يتركز في محافظات محدودة تتحمل نصيباً أكبر من قدرتها الخدمية، وهو ما يجعل أي تفشٍّ وبائي فيها أخطر من نظيره في مناطق أقل كثافة.
وماذا بعد؟ تحذير من تفشٍّ يتجاوز حدود المخيم
يدعو الدكتور علي المظفري الجهات الصحية والمنظمات الدولية إلى تعزيز الاستجابة لاحتياجات المخيم، وتوفير التدابير اللازمة للوقاية والتشخيص والعلاج، محذراً من أن الأمراض المعدية قد تتجاوز نطاق المخيم. وهذا التحذير ليس نظرياً؛ فالمخيمات المكتظة بيئة مثالية لانتقال الكوليرا، وحركة النازحين اليومية بين المخيم والمزارع والأسواق القريبة تخلق قنوات اتصال مباشرة مع المجتمع المحيط.
وقد أقامت المنظمات الإغاثية مشروعاً للمياه يوفر إمدادات إلى الخيام التي يواجه ساكنوها أوضاعاً صعبة، لكن محدودية المكان ونقص الأدوية يعيقان قدرة الوحدة الصحية على مواكبة الاحتياجات المتنامية. وإذا لم تتوسع الاستجابة الصحية والمائية بالوتيرة ذاتها التي يتوسع بها النزوح، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تحوّل حالات الاشتباه الفردية إلى بؤرة تفشٍّ أوسع خلال الأسابيع المقبلة.
أسئلة شائعة
- كم عدد حالات اشتباه الكوليرا في مخيم القرنعة؟ سُجّلت 7 حالات اشتباه بالكوليرا خلال الأسبوع الأول من وصول موجة النزوح الجديدة، بحسب الدكتور علي المظفري.
- من هو الطبيب الذي أعلن هذه الأرقام؟ الدكتور علي المظفري، الطبيب المشرف على الوحدة الصحية الوحيدة في مخيم القرنعة بمديرية خنفر.
- أين يقع مخيم القرنعة؟ في مديرية خنفر بمحافظة أبين جنوبي اليمن، وهي من المحافظات المستضيفة للنازحين من الحديدة وتعز.
- كم عدد النازحين المسجلين في أبين؟ استقبلت أبين 1420 أسرة في مخيمات مديريتي خنفر وزنجبار، وفق آخر تقرير للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين.