في تحول استراتيجي لافت، أطلق الباحث الإسرائيلي البارز داني سيترينوفيتش، وهو خبير مرموق في الشؤون الأمنية، تحذيراً شديد اللهجة يقرع ناقوس الخطر حول مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية. يأتي هذا التحذير في وقت تتقاطع فيه المصالح الإقليمية وتتصادم الرؤى حول ملفات أمنية حساسة، مما يضع اتفاقية السلام الموقعة عام 1979 أمام اختبار وجودي هو الأصعب منذ عقود. إن هذا التقرير لا يكتفي برصد الأزمة، بل يغوص في أعماق الجغرافيا السياسية ليفكك لماذا تعتبر القاهرة «العمق الاستراتيجي» الذي لا يمكن لإسرائيل الاستغناء عنه.
جذور الأزمة: حينما تصطدم الحسابات الأمنية بالواقع الجيوسياسي
لم تكن التحذيرات التي أطلقها سيترينوفيتش وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات من التباين في وجهات النظر حول قضايا إقليمية كبرى، وعلى رأسها التطورات في قطاع غزة، والوضع في محور فيلادلفيا، والترتيبات الأمنية على الحدود المشتركة. يرى المحللون أن إسرائيل، في غمرة انشغالها بالعمليات العسكرية، قد تكون أغفلت «الحساسية المصرية» تجاه أي تحركات تهدد الأمن القومي المصري أو تفرض واقعاً ديموغرافياً جديداً على الحدود. إن مصر، التي تمتلك أطول حدود مع إسرائيل، ليست مجرد جارٍ جغرافي، بل هي شريك أمني لا غنى عنه في معادلات الاستقرار الإقليمي.
الخطوط الحمراء المصرية: ثوابت لا تقبل المساومة
تضع القاهرة خطوطاً حمراء واضحة لا تقبل التجاوز، وهي خطوط نابعة من عقيدة أمنية راسخة ترفض تصفية القضية الفلسطينية على حساب أراضيها أو أمنها القومي. تشمل هذه الخطوط:
- رفض التهجير القسري: تعتبر مصر أي محاولة لدفع الفلسطينيين نحو سيناء خطاً أحمر يمس السيادة الوطنية.
- السيطرة على الحدود: التمسك بالترتيبات الأمنية المبرمة في اتفاقية السلام والملحقات الأمنية الخاصة بها.
- الاستقرار الإقليمي: ترى القاهرة أن استمرار التصعيد العسكري يغذي قوى التطرف التي تهدد أمن المنطقة بأكملها.
إن تجاهل هذه الخطوط، كما يشير سيترينوفيتش، يعني دفع العلاقات نحو «نقطة اللاعودة»، وهو أمر تدرك النخب الاستراتيجية في تل أبيب أنه سيؤدي إلى عزلة دبلوماسية وأمنية خانقة.
التداعيات الاستراتيجية: لماذا تخشى إسرائيل من تدهور العلاقات؟
تدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أي تصدع في العلاقة مع مصر يعني فقدان «وسيط استراتيجي» لا يمكن تعويضه. فمصر ليست مجرد لاعب في ملف التهدئة، بل هي ضامن للاستقرار في سيناء، وشريك في مكافحة الإرهاب، وقوة إقليمية توازن القوى في شرق المتوسط. إن فقدان التنسيق مع القاهرة يعني بالنسبة لإسرائيل:
- تآكل العمق الاستراتيجي: تحول الحدود الجنوبية من منطقة استقرار إلى منطقة توتر دائم.
- فشل الدبلوماسية الإقليمية: صعوبة تمرير أي مشاريع إقليمية دون موافقة أو تنسيق مصري.
- الضغط الدولي: تزايد العزلة الإسرائيلية في المحافل الدولية نتيجة التباين مع الموقف المصري الذي يحظى بدعم عربي ودولي واسع.
إعادة تقييم الخطاب: ضرورة ملحة لتجنب الانهيار
تتزايد الدعوات داخل مراكز الأبحاث الإسرائيلية لضرورة تبني خطاب سياسي أكثر نضجاً واحتراماً للمصالح المصرية. يجادل الخبراء بأن إسرائيل بحاجة إلى «إعادة ضبط» علاقتها مع مصر عبر قنوات دبلوماسية هادئة تتجاوز التصريحات الشعبوية. إن الحفاظ على السلام مع مصر ليس مجرد خيار سياسي، بل هو مصلحة أمنية عليا تحمي إسرائيل من الانزلاق إلى صراعات مفتوحة على جبهات متعددة في آن واحد.
الخلاصة: استشراف المستقبل في ظل التحديات
إن مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية مرهون بقدرة صناع القرار في تل أبيب على إدراك أن «القوة العسكرية» وحدها لا تكفي لضمان الأمن. إن احترام السيادة المصرية، والالتزام ببنود اتفاقية السلام، والتعامل بجدية مع المخاوف المصرية، هي الركائز الثلاث التي يمكن أن تحمي المنطقة من الانفجار. إن التاريخ يثبت أن السلام بين القاهرة وتل أبيب كان دائماً صمام الأمان الذي منع انزلاق الشرق الأوسط إلى حروب شاملة، والحفاظ على هذا الصمام هو المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق الجيل الحالي من السياسيين في كلا البلدين.