في ظل التصعيد الميداني المتسارع على الجبهة الجنوبية للبنان، والذي بلغ ذروته مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن تدمير شبكة أنفاق وبنية تحتية تحت الأرض تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية، تدخل الأزمة مرحلة بالغة الدقة والحساسية. هذا التطور الميداني الخطير لم يمر مرور الكرام على الدوائر الدبلوماسية الدولية، ولا سيما في العاصمة الأمريكية واشنطن، التي سارعت إلى الإعلان عن موقف حاسم يوازن بين تفهم الضروريات الأمنية والتحذير من مغبة الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة. وفي خضم هذه التعقيدات، تتجه الأنظار نحو العاصمة الإيطالية روما التي ستستضيف قريباً جولة جديدة من المحادثات الدبلوماسية المكثفة، في محاولة ضيقة النطاق لاحتواء البركان الميداني المشتعل قبل خروجه عن السيطرة الكاملة.
خلفية استراتيجية وجيوسياسية: جغرافية الدم والنار في جنوب لبنان
تمثل مرتفعات علي الطاهر واحدة من أهم العقد الجيوسياسية والعسكرية في قطاع العمليات الجنوبي بلبنان؛ نظراً لإشرافها المباشر على قطاعات واسعة من الحدود والقرى المجاورة، فضلاً عن كونها خاصرة رخوة وممرًا حيويًا لتحركات الإمداد والاتصال الاستراتيجي. على مدى العقود الماضية، مثلت هذه الجغرافيات الطبيعية الوعرة مسرحاً لعمليات معقدة، حيث استثمر حزب الله طاقات هائلة لبناء شبكات أنفاق وتحصينات تحت الأرض لتعويض التفاوت الكلاسيكي في موازين القوى العسكرية التقليدية مع الجيش الإسرائيلي. إن العملية الأخيرة التي أعلن عنها الجانب الإسرائيلي وتضمنت تدمير أجزاء واسعة من هذه البنية التحتية، لا تُقرأ عسكرياً فقط على أنها ضربة موجعة للقدرات الميدانية للحزب، بل تُعتبر أيضاً محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض تُغير قواعد اللعبة السارية منذ عام 2006 وتؤسس لواقع أمني جديد ترفض تل أبيب التراجع عنه.
الموقف الأمريكي: إدارة التصعيد أم السعي للتسوية المستدامة؟
على خط السحابة الميدانية الملبدة بالغيوم، تتحرك الدبلوماسية الأمريكية بخطوات حثيثة تحكمها براغماتية معقدة. فقد كشفت مصادر مطلعة في واشنطن عن استمرار قنوات الحوار المفتوحة خلف الكواليس بين الأطراف المعنية، إقليمياً ودولياً. الإدارة الأمريكية، رغم تفهمها المطلق للعمليات الاستباقية التي تقودها إسرائيل لتفكيك التهديدات القائمة على حدودها الشمالية، تبدو شديدة القلق من تداعيات توسع رقعة الاشتباكات لتتحول إلى مواجهة إقليمية كبرى تتورط فيها أطراف أخرى كإيران والفصائل المتحالفة معها في المنطقة. هذا القلق دفع واشنطن إلى لعب دور "رجل الإطفاء والدبلوماسي" في آن واحد؛ فهي من جهة تغض الطرف عن العمليات العسكرية الموضعية التي تضعف البنية العسكرية لحزب الله، ومن جهة أخرى تضغط بقوة عبر مبعوثين خاصين لتثبيت قواعد حوار تمنع تحول الاشتباكات الموضعية إلى حرب استنزاف كبرى تهز أمن الشرق الأوسط بأسره وتضر بالمصالح الغربية الحيوية.
محادثات روما المرتقبة: الفرصة الأخيرة أم محاولة لتقطيع الوقت؟
في هذا السياق المتأزم، يكتسب الإعلان عن عقد جولة جديدة من المباحثات السياسية والأمنية في العاصمة الإيطالية روما أهمية استثنائية. فاختيار روما لم يكن عبثياً، بل جاء نظراً لدور إيطاليا التاريخي والنشط في حفظ السلام بجنوب لبنان (عبر اليونيفيل) وقدرتها على توفير مساحة آمنة ومحايدة للحوار الدبلوماسي بعيداً عن أضواء الشرق الأوسط الحارقة. من المتوقع أن تطرح في محادثات روما أجندة شديدة التعقيد تتضمن:
- بحث سبل تطبيق القرار الدولي 1701 بصيغة جديدة تضمن إبعاد قوات حزب الله إلى ما يُعرف بـ "الخط الأزرق".
- مناقشة ترتيبات أمنية طويلة الأجل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية تشمل ضمانات دولية ومراقبة مشددة لمنع إعادة بناء البنية التحتية المدمرة.
- تقديم حزم دعم اقتصادي ومالي مشروط للدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية والأمنية لتعزيز سيادتها وقدرتها على بسط سلطتها.
- دراسة آليات تثبيت وقف إطلاق نار مؤقت يفتح الباب أمام مفاوضات ترسيم الحدود البرية العالقة.
ومع ذلك، يشكك العديد من المراقبين السياسيين في قدرة هذه الجولة على إحداث اختراق حقيقي، نظراً لتمسك كل طرف بشروطه القصوى؛ فإسرائيل تصر على حرية الحركة العسكرية ومن المنطقة الحدودية حتى من دون اتفاق نهائي، بينما يتمسك حزب الله ببيئته الاستراتيجية ورفض أي صيغة تُفسر على أنها استسلام أو تراجع تحت وطأة الضربات العسكرية، مما يجعل محادثات روما أقرب إلى حافة الهاوية الدبلوماسية.
تداعيات مزدوجة: بين الميدان المشتعل والطاولة الدبلوماسية
إن المشهد الراهن يجسد بوضوح استراتيجية "المسار المزدوج"؛ فالتصعيد العسكري والعمليات النوعية مثل تدمير الأنفاق في علي الطاهر تجري على قدم وساق، بالتوازي مع حراك دبلوماسي محموم يهدف إلى إيجاد مخرج آمن للأزمة. هذا التناقض الظاهري يعكس رغبة الأطراف في تحسين شروطها التفاوضية من خلال حرق مراحل الميدان؛ فكل غارة إسرائيلية تهدف إلى انتزاع تنازلات سياسية على طاولة المفاوضات في روما، وكل موقف لحزب الله يرمي إلى إثبات صموده الميداني لرفع سقف مكاسبه السياسية في التسوية المرتقبة. وفي هذا السياق، تبقى الجبهة اللبنانية معلقة بين خيارين أحلاهما مر: إما تسوية هشة ومؤقتة ترحل الأزمات ولا تحلها، أو انفجار إقليمي شامل يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله.
خلاصة استشرافية: مستقبل المنطقة على كف عفريت
في الختام، يؤكد تقرير منصة سارد نيوز أن تدمير البنية التحتية في مرتفعات علي الطاهر وما يتبعها من تحركات دبلوماسية نحو روما، يمثلان علامة فارقة في عمر الصراع الحالي. إن نجاح محادثات روما ليس رهنًا بالنوايا الدبلوماسية وحدها، بل بمدى استعداد الأطراف الفاعلة لتقديم تنازلات مؤلمة وقبول واقع سياسي جديد يمنع كارثة إنسانية وعسكرية محققة. وتبقى العيون مترقبة لما ستفرزه الساعات القادمة، فالخبر الحقيقي يكمن في التفاصيل الخفية، والسرد الحقيقي يبدأ حيث تتوقف لغة البنادق وتبدأ لغة المصالح والتسويات الكبرى.