في تطور ميداني لافت يعيد رسم خرائط الاشتباك في جنوب لبنان، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن نجاح قواته في تنفيذ عملية عسكرية وصفت بـ«الاستثنائية» في مرتفعات «علي الطاهر». العملية التي استهدفت شبكة أنفاق استراتيجية تابعة لـ«حزب الله»، لم تكن مجرد ضربة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى حدث جيولوجي ملموس، حيث سجلت مراكز رصد الزلازل هزة أرضية بلغت قوتها 4.1 درجات على مقياس ريختر، مما أثار حالة من الذعر في أوساط السكان على جانبي الحدود، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول حجم المتفجرات المستخدمة وطبيعة «حرب الأنفاق» التي باتت تشكل العمود الفقري للمواجهة الحالية.
مرتفعات «علي الطاهر»: لماذا هذا الموقع تحديداً؟
تعتبر مرتفعات «علي الطاهر» نقطة استراتيجية حاكمة في جغرافيا جنوب لبنان، حيث توفر إطلالة بانورامية على مساحات واسعة من الجليل الأعلى. لطالما اعتبرت هذه المنطقة «عقدة وصل» لوجستية في استراتيجية الدفاع لدى «حزب الله»، حيث تشير التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية إلى أن الحزب عمل على مدار سنوات على تحويل التضاريس الجبلية القاسية إلى مدينة تحت الأرض، تضم مراكز قيادة وسيطرة، ومخازن أسلحة نوعية، وممرات سرية تتيح للمقاتلين التحرك بعيداً عن أعين الطائرات المسيرة. إن تدمير هذه الشبكة يمثل محاولة إسرائيلية لـ«تعرية» الأرض من تحصيناتها، بهدف تقليص قدرة الحزب على المناورة البرية المفاجئة.
الزلزال الاصطناعي: حينما تتحول التكنولوجيا العسكرية إلى كارثة بيئية
لم يكن تسجيل هزة أرضية بقوة 4.1 درجات أمراً عابراً؛ بل هو مؤشر تقني على ضخامة كميات المتفجرات التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في عملية «النسف الممنهج». يرى خبراء عسكريون أن استخدام هذا الحجم من المتفجرات يهدف إلى إحداث انهيارات أرضية متعمدة تؤدي إلى طمر الأنفاق بشكل دائم، وهو ما يعرف بـ«التدمير التكتوني». ومع ذلك، فإن هذه العمليات تحمل مخاطر بيئية وهندسية كبيرة، حيث تؤدي الاهتزازات الناتجة إلى تصدعات في البنية التحتية للمناطق السكنية المحيطة، مما يفاقم من معاناة المدنيين الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة القصف المستمر، ويحول القرى الجنوبية إلى مناطق غير قابلة للسكن بفعل التغيرات الجيومورفولوجية الناتجة عن التفجيرات.
«كاتس» والرهان على القوة المفرطة
في تصريحاته النارية، حاول يسرائيل كاتس تقديم العملية كدليل على تفوق «المناورة البرية المعقدة». إن هذا الخطاب يعكس استراتيجية إسرائيلية جديدة تعتمد على «الأرض المحروقة» تحت الأرض، حيث لم تعد الغارات الجوية كافية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية. يرى محللون أن «كاتس» يحاول من خلال هذه التصريحات ترميم صورة الردع الإسرائيلي، وإرسال رسالة واضحة إلى الداخل اللبناني بأن «حزب الله» لم يعد يمتلك ملاذات آمنة، حتى في أعماق الجبال. لكن هذا الرهان يحمل في طياته مخاطر الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث تظل الأنفاق جزءاً من عقيدة قتالية مرنة لا تعتمد على موقع واحد مهما بلغت أهميته.
التداعيات الأمنية: هل تغيرت قواعد الاشتباك؟
تضع هذه العملية المنطقة أمام سيناريوهات معقدة. فمن جهة، يرى الجيش الإسرائيلي أن تدمير الأنفاق يقلص التهديد المباشر للمستوطنات الشمالية. ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن هذا التصعيد قد يدفع «حزب الله» إلى تغيير تكتيكاته الدفاعية، والاعتماد بشكل أكبر على الصواريخ الموجهة والأسلحة النوعية التي لا تتطلب بنية تحتية ثابتة. إن تحويل جنوب لبنان إلى ساحة لتجارب التدمير واسع النطاق يهدد بانهيار كامل للهدوء الهش، وقد يؤدي إلى ردود فعل غير متوقعة من قبل الحزب، الذي قد يسعى لتعويض خسائره الميدانية بعمليات نوعية في عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية، مما يعني أننا أمام مرحلة جديدة من «حرب الأدمغة» والقدرات التكنولوجية.
استشراف المستقبل: ما بعد «علي الطاهر»
إن ما حدث في مرتفعات «علي الطاهر» هو حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات التي ستحدد مستقبل الأمن الإقليمي. بينما يحتفي المسؤولون الإسرائيليون بـ«الإنجاز»، تظل الحقيقة المرة أن الحرب تحت الأرض لا تقل ضراوة عن الحرب فوقها. يتوقع الخبراء أن تستمر إسرائيل في استهداف البنى التحتية العميقة، مما يعني المزيد من الهزات الأرضية والدمار المادي. في المقابل، يظل «حزب الله» قادراً على إعادة التموضع، مما يطرح تساؤلاً كبيراً: هل يمكن للعمليات العسكرية وحدها أن تنهي تهديد الأنفاق، أم أن الحل يكمن في مسار سياسي ينهي جذور الصراع؟ إن التقرير الاستقصائي يشير إلى أن المنطقة تتجه نحو مزيد من التصعيد، حيث أصبحت الأرض نفسها جزءاً من ساحة المعركة، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحولات ميدانية قد تقلب الطاولة على الجميع.