الرئيسية تقارير خاصة صحة وبيئة معضلة كهرباء لبنان وسوريا: حين يغتال الظلام الصحة العامة ويدمر البيئة

معضلة كهرباء لبنان وسوريا: حين يغتال الظلام الصحة العامة ويدمر البيئة

11 سبتمبر 2026
12:02 ص
معضلة كهرباء لبنان وسوريا: حين يغتال الظلام الصحة العامة ويدمر البيئة

تتخبط منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً بلاد الشام، في أزمات هيكلية عميقة طالت شريان الحياة الأساسي لكل مجتمع حديث: قطاع الطاقة الكهربائية. وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز معضلة الكهرباء المستحكمة في لبنان وسوريا كواحدة من أكثر الأزمات تعقيداً وخطورة، ليس فقط من منظورها الاقتصادي أو المالي، بل لكونها تتحول تدريجياً إلى كارثة بيئية وصحية شاملة تهدد سلامة ملايين المواطنين. إن الاعتماد المتبادل والمسارات الجيوسياسية المعقدة، وخصوصاً لجوء لبنان إلى الأراضي السورية كممر إجباري أو مصدر محتمل لتأمين جزء من احتياجاته الطاقوية، يعكس عجزاً م مزمن ا عن إيجاد حلول جذرية ومستدامة، ويضع البلدين في مواجهة حتمية مع تداعيات كارثية على النظم البيئية والصحية العامة.

جذور الأزمة: عقود من الاهتراء الهيكلي وسوء الإدارة

تعود جذور أزمة الطاقة في لبنان إلى عقود طويلة من السياسات الاقتصادية المرتجلة، وسوء الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي المستدام لشبكات الطاقة، فضلاً عن الفساد المستشري في قطاع مؤسسة كهرباء لبنان. هذا الإرث الثقيل أدى إلى تدمير البنية التحتية وجعل البلاد تعيش في ظلام دامس لأfترات طويلة يومياً. وبدلاً من الاتجاه نحو استثمارات حقيقية في الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ظلت الحكومات المتعاقبة تراهن على حلول مؤقتة وترقيعية تعتمد على استيراد الفيول أو محاولة تمرير صفقات إقليمية معقدة عبر الجارة سوريا. وفي المقابل، تعاني سوريا أصلاً من دمار هائل في بنيتها التحتية الطاقوية نتيجة سنوات الحرب الطويلة والعقوبات الاقتصادية القاسية، مما يجعل دورها كممر أو مزود للطاقة محفوفاً بالتحديات الفنية والسياسية واللوجستية، ويحرم كلا الشعبين من الاستقرار الطاقوي المنشود.

قنبلة المولدات الخاصة: سحابات الموت السوداء فوق المدن

في ظل العجز الشامل لمؤسسات الدولة عن تأمين التيار الكهربائي، تحولت المدن والأحياء السكنية في لبنان وسوريا إلى غابات من المولدات الكهربائية الخاصة (ما يعرف بـماتورات الإشتراك). هذه الظاهرة، التي وُجدت كحل إسعافي مؤقت، تحولت إلى قطاع موازٍ خارج عن القانون والرقابة البيئية الصارمة. إن الاعتماد الكثيف على مولدات الديزل القديمة والمستهلكة يفرز يومياً كميات هائلة من الغازات السامة والملوثات الصلبة العالقة، مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة السامة (PM2.5). هذه الانبعاثات تتجمع في سماء المدن المكتظة بالسكان، لتخلق سحابات سوداء خانقة تغلف الأحياء السكنية على مدار الساعة، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، كالربو والتهاب الشعب الهوائية، وزيادة حالات الحساسية الشديدة بين الأطفال وكبار السن.

المستشفيات في مهب العاصفة: عندما تنطفئ أجهزة إنقاذ الحياة

لا يقتصر الأثر المدمر لأزمة الكهرباء على الهواء الذي نتنفسه، بل يمتد ليضرب بعمق القطاع الطبي والصحي، وهو الخط الدفاعي الأخير عن سلامة المواطنين. تواجه المستشفيات والمراكز الصحية في لبنان وسوريا تحديات وجودية جراء الانقطاعات العشوائية والطويلة للتيار الكهربائي، والنقص الحاد في إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل المولدات الخاصة بالمشافي. هذا الوضع الكارثي ينعكس بشكل مباشر على كفاءة الخدمات الطبية الحيوية:

  • تعطل الأجهزة الطبية الدقيقة والحساسة نتيجة التذبذب المستمر في التيار الكهربائي المولد.
  • تهديد مباشر لحياة المرضى في أقسام العناية المركزة (ICU) وغرف العمليات الجراحية وحديثي الولادة في حاضنات الأطفال.
  • تلف كميات هائلة من الأدوية الحساسة واللقاحات الطبية التي تتطلب درجات حرارة تبريد محددة وثابتة.
  • تراجع القدرة التشغيلية للمستشفيات الريفية والمراكز الصحية النائية التي تقف عاجزة أمام استقبال الحالات الطارئة ليلاً.

التداعيات النفسية والاجتماعية: ضغط عصبي يفتك بصحة الإنسان

إلى جانب المخاطر الفيزيائية والصحية المباشرة، تخلق أزمة الكهرباء المستمرة بيئة خصبة لتدهور الصحة النفسية للسكان في البلدين. إن العيش في ظلام دامس وسط حرارة صيف قارس أو برد الشتاء القارص، يولد ضغوطاً نفسية وعصبية هائلة (Chronic Stress). فالأسر تعيش حالة دائمة من القلق والترقب لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل تشغيل مضخات المياه التي تعتمد كلياً على الكهرباء، مما أدى إلى انقطاع متكرر لخدمات المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي، وهو ما ينذر بكوارث وبائية محتملة وانتشار للأمراض المعدية. هذا الواقع المعيشي المتردي يغذي مشاعر اليأس والإحباط، ويرفع معدلات القلق الاكتئابي بين مختلف الفئات العمرية.

خلاصة استشرافية: نحو استراتيجيات طاقة مستدامة وخارج الصندوق

إن استمرار أزمة الكهرباء في لبنان وسوريا عبر الاعتماد على حلول إقليمية هشة أو مولدات الديزل الملوثة لم يعد مجرد عائق اقتصادي، بل يمثل تهديداً وجودياً مباشراً للصحة العامة والأمن البيئي في المشرق العربي. إن الخروج من هذه الدائرة المظلمة يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتبني رؤية إقليمية شاملة ترتكز على الاستثمار العاجل في مصادر الطاقة المتجددة، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وفتح باب الشراكات الدولية الحقيقية لدعم البنية التحتية الخضراء. إن حماية أجيال الغد تبدأ اليوم باتخاذ قرارات شجاعة تضيء النور بلا دخان ولا تلوث، وتُعيد للإنسان كرامته وصحته في بيئة آمنة ونظيفة.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
عدن تستنجد بأوروبا: تصعيد حوثي يفرز موجات نزوح ضخمة وتحديات خدمية غير مسبوقة
سياسة

عدن تستنجد بأوروبا: تصعيد حوثي يفرز موجات نزوح ضخمة وتحديات خدمية غير مسبوقة

أزمة إنسانية متصاعدة تطال العاصمة المؤقتة عدن وسط تدفق واسع للنازحين جراء التوتر الميداني الأخير. فما هي تفاصيل التحركات الحكومية لاحتواء الضغط على البنى التحتية؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 9 ساعات